لم تتوفر لدينا الكثير من المحاور التي تكلمت عن أسرته، وإنما كانت نتفًا وإشارات، استطعنا أن نشف منها قليلًا ما يساعدنا في تكوين فكرة واضحة عن أسرة المترجم. أما والدهُ فكل ما نعرفه عنه أنه مات والمترجم لا يزال طفلًا [1] ، ولم يترك إلا امرأة أرملة وولدًا يتيمًا، يقاسيان مشاق الحياة التي لم يكُن لهما دور في تحريك دفة أحداثها. وأما أمهُ فيمكننا القول أن ما حازه المترجم من المجد والفخار إنما كان- بعد رعاية الله- بحسن تصرفها، فقد حكى الغزي عن الشيخ الصالح ربيعبن عبد الله السلمي الشنباري أنه كان يومًا بسنيكة [2] - مسقط رأس المترجم- وإذا بامرأة تستجير به وتستغيث أن ولدها مات أبوهُ وعامل البلد النصراني قبض عليه يروم أن يكتبه موضع أبيه في صيد الصقور، فخلصه الشيخ منه، وقال لها: إن أردت خلاصه فافرغي عنه يشتغل ويقرأ بجامع الأزهر وعليّ كلفته، فسلمت إليه المترجم [3] .
المطلب الرابع: نشأته
نشأ القاضي نشأته الأولى في بلدته التي ولد فيها فحفظ القرآن وحفظ عمدة الأحكام وبعض مختصر التبريزي في الفقه ثم تحول إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين فقطن الأزهر وأكمل حفظ المختصر المذكور بل حفظ أيضًا المنهاج الفرعي وألفية النحو والشاطبيتين وبعض المنهاج الأصلي ونحو النصف من ألفية الحديث. وبعد هذا الأوان أقام بالقاهرة يسيرًا ثم رجع إلى بلده وداوم على الاشتغال وجد فيه ثم رجع إلى القاهرة فلم ينفك عن البحث والدراسة وتفنن ودأب في طلب العلوم تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وأصولًا ولغةً ومعاني وبيانًا وبديعًا ومنطقًا وهندسةً وحكمًا وطبًا وفرائضَ وحساب وتصوفًا وتلقنًا للذكر وغيرها [4] .
(1) ينظر: الكواكب السائرة: 1/ 198.
(2) هي قرية من أعمال الشرقية بين بلبيس والعباسية. ينظر: معجم البلدان: 3/ 270.
(3) ينظر: الكواكب السائرة: 1/ 198.
(4) ينظر: شذرات الذهب: 8/ 134 وما بعدها، الضوء اللامع: مج 2، 3/ 234.