فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 628

وكان ذا شغف في العلوم، فأقبل عليها رغم فقره وحاجته، حيث لم يشتغل بأمر من أمور الدنيا، ولم يعلق قلبهُ بأحد من الخلائق، فكان كما نقله عنه تلميذه الشعراني: كنت أجوع في الجامع كثيرًا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذي كان بجانب الميضأة وغيرها فأغسله وآكله، إلى أن قيض الله لي شخصًا كان يشتغل بالطواحين، فصار يتفقدني ويشتري لي ما أحتاج إليه من الكتب والكسوة [1] ، ولما ظهر فضله تتابعت إليه العطايا والهدايا بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، فجمع نفائس الكتب أفاد القارئين عليه علمًا ومالًا، ولم يكن من طالبي الدنيا ونعيمها فيستحوذ على ذلك المال وإنما بذلها في سبيل العلم وطلابه.

ولما ولي رأى من السلطان عدولًا عن الحق في بعض أعماله فكتب إليه يزجره عن الظلم، فعزله السلطان، وقيل أنه استمر قاضيًا مدة ولاية الأشرف قايتباي ثم بعد ذلك إلى أن كف بصره سنة 906 هـ، فعزل بسبب العمى، فعاد إلى الاشتغال بالعلم إلى أن توفي رحمه الله [2] .

المطلب الخامس: صفاته وأخلاقه

لقد كان القاضي زكريا بن محمد الأنصاري مضرب المثل في وقته في حُسن الخلق والتحلي بمكارم الأخلاق وفضائلها لا يدع بابًا إليها إلا دخله، قال العلائي: «قد جمع من أنواع العلوم والمعارف والمؤلفات المقبولة ومكارم الأخلاق وحسن السمت والتؤدة والأخذ عن الأكابر ما لم يجمعه غيره» [3] .

(1) الطبقات الكبرى المسماة بـ (لواقح الأنوار في طبقات الأخيار) للشعراني: ص 453.

(2) الأعلام: 3/ 46.

(3) الكواكب السائرة: 1/ 201 - 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت