فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 427

«فإن قال لنا قائل» : وما معنى قوله: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه) ؟ أهداهم للحق، أم هداهم للاختلاف؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم! وإن كان هداهم للحق، فكيف قيل،"فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه"؟

قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للحقّ فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضُهم، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم - وهم أهل التوراة الذين بدّلوها - فهدى الله مما للحقّ بدَّلوا وحرَّفوا، الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة، فقال وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و"مِنْ"إنما هي في كتاب الله في"الحق"و"اللام"في قوله: (لما اختلفوا فيه) وأنت تحول"اللام"في"الحق) و"من"في"الاختلاف"في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبًا؟"

قيل: ذلك في كلام العرب موجودٌ مستفيضٌ، والله تبارك وتعالى إنما خاطبَهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر:

كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُول كما ... كَانَ الزِّنَاءُ فَريضَةَ الرَّجْمِ

وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر:

إنّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحْلَى به العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ

وإنما سراجٌ الذي يحلى بالعين، لا العين بسراج.

وقد قال بعضهم: إن معنى قوله (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق) أن أهلَ الكتب الأوَل اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهلَ الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها.

وذلك قولٌ، غير أن الأوّل أصح القولين. لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت