فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ أَنَّهَا تَجْرِي تَحْتَ الْجَنَّاتِ؟ وَكَيْفَ يُمَكِّنُ الْأَنْهَارَ أَنْ تَجْرِيَ مِنْ تَحْتِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا فَوْقَ أَرْضِهَا وَالْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَرْضِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ صِفَتَهَا أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي غَيْرِ أَخَادِيدٍ؟
قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: تَجْرِي مِنْ دُونِهِمُ الْأَنْهَارُ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِي بَسَاتِينِ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم: 24] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ السَّرِيَّ تَحْتَهَا وَهِيَ عَلَيْهِ قَاعِدَةٌ، إِذْ كَانَ السَّرِيُّ هُوَ الْجَدْوَلُ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ جَعَلَ دُونَهَا: بَيْنَ يَدَيْهَا، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ فِرْعَوْنَ: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف: 51] بِمَعْنَى: مِنْ دُونِي بَيْنَ يَدِي.