قَوْلُهُ: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ قَوْلُهُ: {وإِقَامِ الصَّلَاةِ} [الأنبياء: 73] مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِهِ أَقَمْتُ؟
قِيلَ: بَلَى. فَإِنْ قَالَ: أَوَ لَيْسَ الْمَصْدَرُ مِنْهُ إِقَامَةً، كَالْمَصْدَرِ مِنْ أَجَرْتُ إِجَارَةً؟
قِيلَ: بَلَى. فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ قَالَ: {وإِقَامِ الصَّلَاةِ} [الأنبياء: 73] أَوَ تُجِيزُ أَنْ نَقُولَ: أَقَمْتُ إقَامًا؟
قِيلَ: وَلَكِنِّي أُجِيزُ: أَعْجَبَنِي إِقَامُ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قِيلَ: وَمَا وَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ؟
قِيلَ: إِنَّ الْحُكْمَ فِي أَقَمْتُ إِذَا جُعِلَ مِنْهُ مَصْدَرٌ أَنْ يُقَالَ إِقْوَامًا، كَمَا يُقَالُ: أَقْعَدْتُ فُلَانًا إِقْعَادًا , وَأَعْطَيْتَهُ إِعْطَاءً؛ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا سَكَّنَتِ الْوَاوَ مِنْ (أَقَمْتُ) فَسَقَطَتْ لِاجْتِمَاعِهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ , وَالْمِيمُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، بَنُوا الْمَصْدَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ إِذْ جَاءَتِ الْوَاوُ سَاكِنَةً قَبْلَ أَلِفِ الْإِفْعَالِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، فَسَقَطَتِ الْأُولَى مِنْهُمَا، فَأَبْدَلُوا مِنْهَا هَاءً فِي آخِرِ الْحَرْفِ، كَالتَّكْثِيرِ لِلْحَرْفِ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: وَعَدْتُهُ عِدَةً، وَوَزَنْتُهُ زِنَةً؛ إِذْ ذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ أَوَّلِهِ، كَثَّرُوهُ مِنْ آخِرِهِ بِالْهَاءِ؛ فَلَمَّا أُضِيفَتِ الْإِقَامَةُ إِلَى الصَّلَاةِ، حَذَفُوا الزِّيَادَةَ الَّتِي كَانُوا زَادُوهَا لِلتَّكْثِيرِ، وَهِيَ الْهَاءُ فِي آخِرِهَا؛ لِأَنَّ الْخَافِضَ وَمَا خُفِضَ عِنْدَهُمْ كَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، فَاسْتَغْنَوْا بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ مِنَ الْحَرْفِ الزَّائِدِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْخَلِيطَ أَجَدُّوا الْبَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الْأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا
يُرِيدُ: عِدَةَ الْأَمْرِ. فَأَسْقَطَ الْهَاءَ مِنَ الْعِدَةِ لَمَّا أَضَافَهَا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي (إِقَامِ الصَّلَاةِ) .