فَإِنْ قَائِلَ قَائِلٌ: وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَلَفَ مَعَ تَحْرِيمِهِ مَا حَرَّمَ، فَقَدْ عَلِمْتَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ التَّحْرِيمِ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْيَمِينُ؟
قِيلَ: الْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ عَرَبِيَّةٍ وَلَا عَجَمِيَّةٍ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِجَارِيَتِهِ، أَوْ لِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ يَمِينٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَعْقُولٍ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْيَمِينَ غَيْرُ قَوْلِ الْقَائِلِ لِلشَّيْءِ الْحَلَالِ لَهُ: هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا، وَفَسَدَ مَا خَالَفَهُ.
وَبَعْدُ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْحَلَالِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَحَلَّهُ لَهُ بِيَمِينٍ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ} مَعْنَاهُ: لِمَ تَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ أَنْ لَا تَقْرَبَهُ، فَتُحَرِّمَهُ عَلَى نَفْسِكَ بِالْيَمِينِ.