فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 427

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَنْظُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِي كَفَرُوا بِاللَّهِ بِأَبْصَارِ قُلُوبِهِمْ، فَيَرَوْا بِهَا، وَيَعْلَمُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا؟ يَقُولُ: لَيْسَ فِيهِمَا ثُقْبٌ، بَلْ كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ , يُقَالُ مِنْهُ: رَتَقَ فُلَانٌ الْفَتْقَ: إِذَا شَدَّهُ، فَهُوَ يَرْتُقُهُ رَتْقًا , وَرُتُوقًا , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فَرْجُهَا مُلْتَحِمٌ: رَتْقَاءُ. وَوَحَّدَ الرَّتْقَ، وَهُوَ مِنْ صِفَةِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {كَانَتَا} [النساء: 176] لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، مِثْلُ قَوْلِ الزُّورِ وَالصَّوْمِ وَالْفِطْرِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ , وَالْأَرْضُ كَذَلِكَ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ , وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا مِنَ الْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ، فَفَتَقْنَا السَّمَاءَ بِالْغَيْثِ , وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعَقِّبْ ذَلِكَ بِوَصْفِ الْمَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا وَالَّذِي تَقَدَّمُهُ مِنْ ذِكْرِ أَسْبَابِهِ

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ قِيلَ: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} ، وَالْغَيْثُ إِنَّمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟

قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مِنَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ: {أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا قُلْنَا، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ {السَّمَاوَاتِ} وَالْمُرَادُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَتُجْمَعُ، لِأَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْهَا سَمَاءٌ، كَمَا يُقَالُ: ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ، وَقَمِيصٌ أَسْمَالٌ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ إِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا، فَالسَّمَاوَاتُ جَمْعٌ، وَحُكْمُ جَمْعِ الْإِنَاثِ أَنْ يُقَالَ فِي قَلِيلِهِ: (كُنَّ) ، وَفِي كَثِيرِهِ (كَانَتْ) ؟

قِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ، فَالسَّمَاوَاتُ نَوْعٌ، وَالْأَرْضُ آخَرُ , وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ:

[البحر الكامل]

إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلَاهُمَا ... تُوفِي الْمَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سِوَادِي

فَقَالَ: كِلَاهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ , لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّهِ عَنَى النَّوْعَيْنِ.

وَقَدْ أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: أَنْشَدَنِي غَالِبٌ النُّفَيْلِيُّ لِلْقَطَامِيِّ:

[البحر الوافر]

أَلَمْ يَحْزُنْكَ أَنَّ حِبَالَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا

فَجَعَلَ حِبَالَ قَيْسٍ وَهِيَ جَمْعٌ وَحِبَالَ تَغْلِبَ وَهِيَ جَمْعٌ اثْنَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت