فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 427

{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(4)}

«فإن قال قائل» : وما وجه دخول (مِن) في قوله: (فكلوا مما أمسكن عليكم) وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلالِ، و"من"إنما تدخل في الكلام مبعِّضَة لما دخلت فيه؟

قيل: قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية.

فقال بعض نحويي البصرة: دخلت"من"في هذا الموضع لغير معنًى، كما تدخله العرب في قولهم:"كان من مطر"و"كان من حديث". قال: ومن ذلك قوله: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) [سورة البقرة: 271] ، وقوله: (وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) [سورة النور: 43] ، قال: وهو فيما فسِّر: وينزل من السماء جبالا فيها برد. قال: وقال بعضهم: و"ينزل من السماء من جبال فيها من برد) أي: من السماء من برد، بجعل"الجبال من برد"في السماء، وبجعل الإنزال منها."

وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول: لم تدخل"من"إلا لمعنى مفهوم، لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به. وذلك أنها دالة على التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم"قد كان من مطر"و"كان من حديث"؛ هل كان من مَطَرِ مَطَرَ عندكم؟ وهل من حديث حُدِّث عندكم؟ ويقول: معنى: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) ، أي: ويكفر عنكم من سيِّئاتكم ما يشاء ويريد = وفي قوله: (وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) ، فيجيز

حذف"من"من"من برد"ولا يجيز حذفها من (الجبال) ويتأول معنى ذلك: وينزل من السماء أمثالَ جبالٍ بردٍ، ثم أدخلت"من"في"البرد"لأن"البرد"مفسَّر عنده من"الأمثال"أعني:"أمثال الجبال"وقد أقيمت"الجبال"مقام"الأمثال"و"الجبال"وهي"جبال برد"فلا يجيز حذف"من"من"الجبال"لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنزل منه البرد، أمثالُ جبال بردٍ. وأجاز حذف"من"من"البرد"لأن"البرد"مفسَّر عن"الأمثال"كما تقول:"عندي رطلان زيتًا"و"عندي رطلان من زيت"وليس عندك"الرطل"وإنما عندك المقدار. فـ"من"تدخل في المفسِّر وتخرج منه. وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء، من أمثال جبال، وليس بجبال. وقال: وإن كان:"أنزل من جبال في السماء من برد جبالا"ثم حذف"الجبال"الثانية، و"الجبال"الأول في السماء، جاز. تقول:"أكلت من الطعام"تريد: أكلت من الطعام طعامًا، ثم تحذف"الطعام"ولا تسقط"من".

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن"من"لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة، لدلالة ما يظهر من الكلام عليها. فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها، فذلك قد بيَّنا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صحّ من الكلام.

ومعنى دخولها في قوله: (فكلوا مما أمسكن عليكم) للتبعيض، إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه، وحرَّم عليهم فَرْثه ودمَه، فقال جل ثناؤه:"فكلوا"= مما أمسكتْ عليكم جوارحكم = الطيبات التي أحللت

لكم من لحومها، دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك، مما لم أطيبه لكم. فذلك معنى دخول"من"في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت