قوله جَل ثناؤه: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
قال عامّة المفسرين: تأويل قول الله تعالى (ذلك الكتاب) : هذا الكتاب.
«فإن قال قائل» : وكيف يجوزُ أن يكون"ذلك"بمعنى"هذا"؟ و"هذا"لا شكّ إشارة إلى حاضر مُعايَن، و"ذلك"إشارة إلى غائب غير حاضر ولا مُعايَن؟
قيل: جاز ذلك، لأن كل ما تَقضَّى، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار، فهو - وإن صار بمعنى غير الحاضر - فكالحاضر عند المخاطب.
وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع:"إن ذلك والله لكما قلت"، و"هذا والله كما قلت"، و"هو والله كما ذكرت"، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى، ومرة بمعنى الحاضر، لقُرْب جوابه من كلام مخبره، كأنه غير مُنْقَضٍ. فكذلك"ذلك"في قوله (ذلك الكتاب) لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ"ذلك الكتاب""الم"، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك، الكتابُ. ولذلكَ حسن وضع"ذلك"في مكان"هذا"، لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله"الم"من المعاني، بعد تقضّي الخبر عنه بـ"الم"، فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه، كالحاضر المشار إليه، فأخبر به بـ"ذلك"لانقضائه، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب، وترجمهُ المفسِّرون: أنه بمعنى"هذا"، لقرب الخبر عنه من انقضائه، فكانَ كالمشاهَد المشار إليه بـ"هذا"، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم، وكما قال جل ذكره: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ) [سورة ص: 48، 49] فهذا ما في"ذلك"إذا عنى بها"هذا".
وقد يحتمل قوله جل ذكره (ذلك الكتاب) أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة، فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنزلتها إليك، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه. ثم ترجمه المفسرون بأن معنى"ذلك""هذا الكتاب"
إذْ كانت تلك السُّور التي نزلت قبل سورة البقرة، من جملة جميع كتابنا هذا، الذي أنزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.