قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}
قال أبو جعفر: «فإن قال لنا قائل» : كيف قِيل:"ولا تكونوا أول كافر به"،
والخطاب فيه لجميع، وقوله:"كافر"واحد؟ وهل نجيز - إن كان ذلك جائزًا - أن يقول قائل:"ولا تكونوا أول رجُل قام"؟
قيل له: إنما يجوز توحيد ما أضيف له"أفعل"، وهو خبر لجميع إذا كان اسمًا مشتقًّا من"فعل ويفعل"، لأنه يؤدِّي عن المرادِ معه المحذوفَ من الكلام وهو"مَنْ"، ويقوم مقامه في الأداء عن معنى ما كان يؤدي عنه"مَنْ"من الجمع والتأنيث، وهو في لفظ واحد. ألا ترى أنك تقول: ولا تكونوا أوَّلَ من يكفر به."فمن"بمعنى جميع، وهو غير متصرف تصرفَ الأسماء للتثنية والجمع والتأنيث. فإذا أقيم الاسمُ المشتق من"فعل ويفعل"مُقَامه، جرى وهو موحّد مجراه في الأداء عما كان يؤدي عنه"مَنْ"من معنى الجمع والتأنيث، كقولك:"الجيش مُنهزم"،"والجند مقبلٌ"، فتوحِّد الفعلَ لتوحيد لفظ الجيش والجند. وغير جائز أن يقال:"الجيش رجل، والجند غلام"، حتى تقول:"الجند غلمان والجيش رجال". لأن الواحد من عدد الأسماء التي هي غير مشتقة من"فعل ويفعل"، لا يؤدّي عن معنى الجماعة منهم، ومن ذلك قول الشاعر:
وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ
فوحّد مَرّةً على ما وصفتُ من نية"مَنْ"، وإقامة الظاهر من الاسم الذي هو مشتق من"فعل ويفعل"مقامه، وجمع أخرى على الإخراج على عدد أسماء
المخبر عنهم، ولو وحَّد حيث جَمع، أو جمع حيث وحَّد، كان صوابًا جائزًا.
وأما تأويل ذلك فإنه يعني به: يا معشر أحبار أهل الكتاب، صدِّقوا بما أنزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المصدِّق كتابَكم، والذي عندكم من التوراة والإنجيل، المعهود إليكم فيهما أنه رسولي ونبيِّيَ المبعوثُ بالحق، ولا تكونوا أوَّل أمّتكُمْ كذَّبَ به وَجحد أنه من عندي، وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم.