قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْحَسَنَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْإِقْرَارُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِرَسُولِهِ، وَالسَّيِّئَةُ فِيهِ الشِّرْكُ بِهِ وَالتَّكْذِيبُ لِرَسُولِهِ، فَلِلْإِيمَانِ أَمْثَالٌ فَيُجَازَى بِهَا الْمُؤْمِنُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ فَكَيْفَ يُجَازَى بِهِ، وَالْإِيمَانُ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْجَزَاءُ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْإِنْعَامُ عَلَيْهِ بِمَا أَعَدَّ لِأَهْلِ كَرَامَتِهِ مِنَ النَّعِيمِ فِي دَارِ الْخُلُودِ، وَذَلِكَ أَعْيَانٌ تُرَى وَتُعَايَنُ وَتُحَسُّ وَيُلْتَذُّ بِهَا، لَا قَوْلٌ يُسْمَعُ وَلَا كَسْبُ جَوَارِحَ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَوَافَى اللَّهَ بِهَا لَهُ مُطِيعًا، فَإِنْ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ ثَوَابَ عَشْرِ حَسَنَاتٍ أَمْثَالِهَا. فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ لِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ مِثْلٌ؟
قِيلَ: لَهُ مِثْلٌ هُوَ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ هُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ أَتَاهُ بِهِ أَنْ يُجَازِيهِ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ بِمِثْلِ عَشَرَةِ أَضْعَافِ مَا يَسْتَحِقُّهُ قَائِلُهُ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِيمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي هِيَ الشِّرْكُ، إِلَّا أَنْ لَا يُجَازَى صَاحِبُهَا عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِضْعَافِهِ عَلَيْهِ.