قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ عَنَى بِالْمُؤْتَفِكَاتِ قَوْمَ لُوطٍ، فَكَيْفَ قِيلَ: الْمُؤْتَفِكَاتِ، فَجُمِعَتْ وَلَمْ تُوَحَّدْ؟
قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَرْيَاتٍ ثَلَاثًا، فَجُمِعَتْ لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ بِالتَّاءِ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم: 53] .
فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ قِيلَ: أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ وَاحِدًا؟
قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَتَى كُلَّ قَرْيَةٍ مِنَ الْمُؤْتَفِكَاتِ رَسُولٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَتَكُونُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إِلَيْهِمْ لِلدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَنْ رِسَالَتِهِ رُسُلًا إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ لِقَوْمٍ نُسِبُوا إِلَى أَبِي فُدَيْكٍ الْخَارِجِيِّ: الْفُدَيْكَاتُ، وَأَبُو فُدَيْكٍ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَهُ لَمَّا نُسِبُوا إِلَيْهِ وَهُوَ رَئِيسُهُمْ دُعُوا بِذَلِكَ وَنُسِبُوا إِلَى رَئِيسِهِمْ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [التوبة: 70] - [556] - وَقَدْ يُحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَتَتْ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رُسُلُهُمْ مِنَ اللَّهِ بِالْبَيِّنَاتِ.