فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، وَإِنَّمَا كَانَ شُعَيْبٌ نَهَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالِهِمْ مَا قَدْ ذَكَرْتُ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا؟
قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْتَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نُتْرَكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: تَأْمُرُكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَا أَمَرَهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ: وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرَ يَجْعَلُ الْأَمْرَ كَالنَّهْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ بِذَا وَتَنْهَانَا عَنْ ذَا؟
فَهِيَ حِينَئِذٍ مَرْدُودَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُولَى مَنْصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ «تَأْمُرُكَ» ، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ مَنْصُوبَةٌ عَطَفًا بِهَا عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {مَا يَعْبُدُ} [هود: 87] وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نُتْرَكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؟
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَهُ «مَا تَشَاءُ» ، فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا مُؤْنَةَ فِيهِ، وَكَانَتْ «أَنْ» الثَّانِيَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةً عَلَى «أَنْ» الْأُولَى.