فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 427

قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ: {عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} [الأنعام: 154] فَيُوَحِّدَ (الَّذِي) ، وَالتَّأْوِيلُ عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا؟

قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَاصَّةً فِي الَّذِي وَفِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ إِذَا أَرَادَتْ بِهِ الْكُلَّ وَالْجَمِيعَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ، وَكَمَا قَالُوا: أَكْثَرُ الَّذِي هُمْ فِيهِ فِي أَيْدِي النَّاسِ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا) ، وَذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَذَلِكَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ.

وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُ: (أَحْسَنَ) فِعْلًا مَاضِيًا، فَيَكُونُ نَصَبَهُ لِذَلِكَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَحْسَنَ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، غَيْرَ أَنَّهُ نُصِبَ، إِذْ كَانَ (أَفْعَلَ) ، وَ (أَفْعَلَ) لَا يَجْرِي فِي كَلَامِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ خُفِضَ؟ قِيلَ: رَدًّا عَلَى (الَّذِي) ، إِذْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يَرْفَعُهُ. فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنَ، ثُمَّ حُذِفَ (هُوَ) ، وَجَاوَرَ (أَحْسَنَ) (الَّذِي) ، فَعُرِّفَ بِتَعْرِيفِهِ، إِذْ كَانَ كَالْمَعْرِفَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا يَدْخُلَانِهِ، (وَالَّذِي) مِثْلُهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:

[البحر الرجز]

إِنَّ الزُّبَيْرِيَّ الَّذِي مِثْلُ الْحَلَمْ ... مَسَّى بِأَسْلَابِكُمْ أَهْلَ الْعَلَمْ

فَأَتْبَعَ (مِثْلُ) (الَّذِي) فِي الْإِعْرَابِ. وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مَرَرْتُ بِالَّذِي عَالِمٍ، لِأَنَّ (عَالِمًا) نَكِرَةٌ (وَالَّذِي) مَعْرِفَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ نَكِرَةٌ مَعْرِفَةً.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ مُوسَى فِيمَا امْتَحَنَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت