فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 427

{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} [يونس: 98] بِمَعْنَى فَمَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِمَعْنَى الْجُحُودِ، فَكَيْفَ نَصَبَ «قَوْمَ» وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا كَانَ جَحْدًا كَانَ مَا بَعْدَهُ مَرْفُوعًا، وَأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: مَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ، وَمَا خَرَجَ أَحَدٌ إِلَّا أَبُوكَ؟

قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخَ مِنْ جِنْسِ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ. وَلَكِنْ لَوِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ حَتَّى يَكُونَ مَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ كَانَ الْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِهِمُ النَّصَبَ، وَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: مَا بَقِيَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا الْوَتَدَ، وَمَا عِنْدَنَا أَحَدٌ إِلَّا كَلْبًا أَوْ حِمَارًا، لِأَنَّ الْكَلْبَ وَالْوَتَدَ وَالْحِمَارَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ أَحَدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ:

[البحر البسيط]

أَعْيَتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ ثُمَّ قَالَ:

إِلَّا أَوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيَ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ

فَنَصَبَ «الْأُوَارِيَّ» إِذْ كَانَ مُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَكَذَلِكَ نَصَبَ قَوْمَ يُونُسَ لِأَنَّهُمْ أُمَّةٌ غَيْرُ الْأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَثْنُوا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمْ وَشَكْلِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ.

وَلَوْ كَانَ قَوْمُ يُونُسَ بَعْضَ الْأُمَّةِ الَّذِينَ اسْتُثْنُوا مِنْهُمْ كَانَ الْكَلَامُ رَفْعًا، وَلَكِنَّهُمْ كَمَا وَصَفْتُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت