فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ {يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أَوَيَخِرُّ الْكَافِرُونَ صُمًّا وَعُمْيَانًا إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ , فَيَنْفِي عَنْ هَؤُلَاءِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلْكُفَّارِ؟
قِيلَ: نَعَمْ , الْكَافِرُ إِذَا تَلَيْتَ عَلَيْهِ آيَاتِ اللَّهِ خَرَّ عَلَيْهَا أَصَمٌّ وَأَعْمَى , وَخَرُّهُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ إِقَامَتُهُ عَلَى الْكُفْرِ , وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ: سَبَبْتُ فُلَانًا فَقَامَ يَبْكِي , بِمَعْنَى فَظَلَّ يَبْكِي , وَلَا قِيَامَ هُنَالِكَ , وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَكَى قَاعِدًا , وَكَمَا يُقَالُ: نَهَيْتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا , فَقَعَدَ يَشْتُمُنِي؛ وَمَعْنَى ذَلِكَ: فَجَعَلَ يَشْتُمُنِي , وَظِلَّ يَشْتُمُنِي , وَلَا قُعُودَ هُنَالِكَ , وَلَكِنْ ذَلِكَ قَدْ جَرَى عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ , حَتَّى قَدْ فَهِمُوا مَعْنَاهُ.
وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَبَ تَقُولُ: قَعَدَ يَشْتُمُنِي , كَقَوْلِكَ: قَامَ يَشْتُمُنِي , وَأَقْبَلَ يَشْتُمُنِي؛ قَالَ: وَأَنْشَدَ بَعْضُ بَنِي عَامِرٍ:
[البحر الرجز]
لَا يُقْنِعُ الْجَارِيَةَ الْخِضَابُ ... وَلَا الْوِشَاحَانِ وَلَا الْجِلْبَابُ
مِنْ دُونِ أَنْ تَلْتَقِيَ الْأَرْكَابُ ... وَيَقْعُدَ الْأَيْرُ لَهُ لُعَابُ
بِمَعْنَى: يَصِيرُ , فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}
إِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَمْ يَصَمُّوا عَنْهَا , وَلَا عَمُوا عَنْهَا , وَلَمْ يَصِيرُوا عَلَى بَابِ رَبِّهِمْ صُمًّا وَعُمْيَانًا , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
وَيَقْعُدَ الْهَنُ لَهُ لُعَابُ
بِمَعْنَى: وَيَصِيرُ.