«فإن قال قائل» : وكيف قال:"فلهم أجرهم عند ربهم"، وإنما لفظه"مَن"لفظ واحد، والفعل معه موحد؟
قيل:"من"، وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا، فإن معنى الواحد والاثنين والجمع، والتذكير والتأنيث، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير. فالعرب توحد معه الفعل - وإن كان في معنى جمع - للفظه، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه، كما قال جل ثناؤه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ) [يونس: 42 - 43] . فجمع مرة مع"من"الفعل لمعناه، ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد، كما قال الشاعر:
ألما بسلمى عنكما إن عرضتما ... وقولا لها: عوجي على من تخلفوا
فقال:"تخلفوا"، وجعل"من"بمنزلة"الذين"، وقال الفرزدق:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فثنى"يصطحبان"لمعنى"من".
فكذلك قوله: (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم) ، وحد"آمن وعمل صالحا"للفظ"من"، وجمع ذكرهم في قوله: (فلهم أجرهم) ، لمعناه، لأنه في معنى جمع.