لكن الذي يواجهه الناظر في هذه الكتب هو شيئ غير ذلك، الذي تجده عندما تنظر فيها هو التناقض في أبشع أشكاله، ولئن خيل إليك أنني سقطت في شدة هذا التعبير فريسة للتعصب فاستمع معي إلى كلام الشيخ الطوسي في فاتحة التهذيب (1/2) بعد الحمد والصلاة مباشرة:"ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد، حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا، وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، وذكروا أنه"لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذي يدينون به، ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع، ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم، ولا أن يبيح العمل به العليم، وقد وجدناكم أشد اختلافا من مخالفيكم وأكثر تباينا من مباينيكم، ووجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على فساد الأصل،"حتى دخل على جماعة ممن ليس لهم قوة في العلم ولا بصيرة بوجوه النظر ومعاني الألفاظ شبهة، وكثير منهم رجع عن الحق لما اشتبه عليه الوجه في ذلك، وعجز عن حل الشبهة فيه، سمعت شيخنا أبا عبد الله [المفيد] أيده الله يذكر أن أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالإمامة، فرجع عنه لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها."وهذا التناقض الفظيع هو الذي حرض الشيخ الطوسي على تأليف كتاب التهذيب، ثم لما اشتهر كتابه التهذيب سأله بعضهم أن يفرد الأحاديث المختلفة بالتأليف، فضنف لهم كتابه الثاني الاستبصار الذي يكشف لنا اسمه الكامل عن حقيقة مغزاه، فهو: الاستبصار فيما اختلف من الأخبار.