أقول: إن تخصيص كتابين من أربعة كتب في الحديث لظاهرة الاختلاف في المتون لأوضح دليل على حقيقة مدى هذا الاختلاف، لكن لا ينبغي أن نقف عند هذا الاستعجاب، بل لنطرح سؤالا مرة أخرى: ما ذا عسى أن يكون سبب هذا الاختلاف البشع الذي استنكرته تلك الجماعة من الإمامية الذين ناح الطوسي على تبرؤهم من التشيع الإمامي وتركهم لعقائده؟ هذا -لعمرك- لهو السر الأعظم!وتمهيدا لكشف السر أريد أن أصور للقارئ شيئا: تصور أن عندنا شخصا، وحول هذا الشخص مجموعة من المتحدثين باسمه، إلا أنهم في الحقيقة يتقولون ويفترون عليه ما لم يقل، وكل يتحدث مستقلا عن الآخر، فلا يجتمعون فيما بينهم لتوحيد الكلمة، وإن حصل مثل هذا التوحيد أحيانا فإنه في معظم الأحوال لا يحصل، إذا كان الأمر كذلك فبالله عليك: أليس من قاعدة الطبيعة أنه سيكون هناك تناقض وتباين بين ما يقوله هؤلاء الكذابون باسم هذا الشخص الواحد؟- خذ في الاعتبار كثرة التفاف الكذابين حول أئمة أهل البيت، حتى أن الصادق قال:"إن الواحد منا لا يخلو من كذاب"،- وخذ في الاعتبار أيضا مدى انتساب هؤلاء الرواة إلى فرق الغلاة الذين قال فيهم الصادق:"إن فيهم من يكذب حتى إن الشيطان ليحتاج إلى كذبه" (مقباس الهداية للمامقاني 2/403) - وخذ في الاعتبار أيضا أن عددا من أصحاب تلك الأصول الأربعمائة كانوا فاسدي المذهب، فقد جاء في مقباس الهداية للمامقاني (3/33) :"وحكى المولى الوحيد عن خاله المجلسي الثاني، بل وعن جده المجلسي الأول -على بباله- أن كون الرجل ذا أصل من أسباب الحسن، وتأمل هو فيه نظرا إلى أن كثيرا من أصحاب الأصول كانوا ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة على ما صرح به في أول الفهرست"ثم مثل له المامقاني بعلي بن أبي حمرة البطائني، فقد صنف كتبا كثيرة وتفسيرا للقرآن كاملا، إلا أن ابن فضال قال فيه: كذاب متهم ملعون...