فهرس الكتاب
لكن إشكالك يصب في بحيرة أخرى ألا وهي: لا يعقل سماع كل هذا العدد لهذا الكتاب ولم يقم بروايته إلا من ذكرتم فهذا يدل على أحد ثلاثة أمور:
إما عدم أهمية الكتاب ، وإما عدم صحة المقولة ، وإما عدم صحة نسبة الكتاب ؟
أقول: كتاب الله عز وجل سمعه وقرأه كل رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى عصرنا ، لكن الذين رووه إلى رسول الله بأسانيد محفوظة قلة قليلة فهل يطعن في كتاب الله بمثل هذه الطعون الواهية ؟!!
نعم اصطفى ابن مجاهد في كتابه السبع القراءات سبعة قراء وساق قراءاتهم بأسانيدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهمل الكثير من القراء والكثير من الأسانيد بغية الإختصار والإقتصار .
فعصره لم يكن عصر توثيقٍ لكتاب الله لأن كتاب الله تعالى وُثّق كتابة ، لذلك اختصر في الأسانيد قدر الإمكان حتى أنه ترك من القراء من هم أعدل ممن ساق عنهم أسانيد القراءات .
وهنا نحتج عليكم بهذا المسلك فما دام أن كتاب البخاري سمعه عدد لا يحصر من طلبة العلم والعلماء ، وكتبه البخاري في حياته ، لم يكن لروايته مزية في التوثيق لأن الكتاب وثّق من خلال عدد الذين سمعوه ولوجود أصل مخطوط عن المؤلف ، فالسند تأكيدي أكثر منه توثيقي .
نعم لو حصل الاعتراض والانتقاد على من رووه في ذلك العصر أو من بعدهم لحصلت الشبهة واحتاج الأمر إلى التوثيق .
ولابد أن يكون سمعه عنهم- الذين سمعوا الصحيح ولم يرووه - عدد لا يحصر ، لكن لم يذكر العلماء سند هذه السماعات لعدم أهميتها في زمنهم توثيقيا وضخامة إسناد رجالها لكن ؟
هذا التحرير يخص الطبقة المتقدمة من الشيوخ الذين عاصروا البخاري أو رأوا كتابه أو سمعواممن عاصره ، وأما من أتى بعد ذلك من العلماء فقد بدأ في تخريج سند لصحيح البخاري ليس بغية للتوثيق وإنما لشيوع ظاهرة الإجازات في الكتب .