فبالاعتبار الأول يجوز عليه ما يجوز على سائر البشر ، ومنه أن يُسحر ، وبالاعتبار
الثاني لا يجوز ما يخل بالرسالة لقيام الدليل العقلي والنقلي على العصمة منه .
على أنه قد قال بعضهم:
إنه لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله ، أن يجزم بفعله ذلك ، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت .
وإما أن يكون ذلك التخيل في أمر خاص بينته الروايات الأخرى في الصحيح عن عائشة
رضي الله عنها ،
هي رواية الإمام سفيان بن عيينة التي رواها عنه اثنان من
كبار شيوخ البخاري الأول شيخه المُسْنَدي ، والثاني شيخه الإمام الحميدي ،
وفيها تقول عائشة رضي الله عنها:
"كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سحر حتى كان يُرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهنَّ ،"
قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك"."
فهذه الرواية تبين ما في الرواية الأولى من إجمال ، وما هو هذا الشيء الذي كان يخيل إليه أنه فعله ولم يفعله ؟
، قال القاضي عياض رحمه الله:""
يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء ،
فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك كما هو شأن المعقود"."
وسواء قلنا بهذا أو بذاك فليس في الحديث أبدًا ما يخل بعصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بالتبليغ والرسالة
، ولذلك قال الإمام المازري رحمه الله:
"أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث - يريد حديث السحر - وزعموا أنه يحط منصب النبوة ، ويشكك فيها ،"
قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك باطل ، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرَّعوه من الشرائع ،
إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثَمَّ ،
وأنه يوحى إليه ولم يوح إليه بشيء ، وهذا كله مردود ،
لأن الدليل قد قام على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه ،