هـ إن في الثناء على الصحيحين وصاحبيهما وردت أقوال وأقوال عن العلماء السابقين واللاحقين بما يفيد الإجماع على مكانتهما عند الأمة وجلالة قدرهما عند العلماء كافة ، وعند أهل الحديث خاصة ، بحيث أصبحا هما الفيصل عندهم في بيان حجة الرواية وقُوَّتِها ، فإذا ذُكِرَ الحديث في كليهما أو أحدهما ، أخذوه بالقبول ؛ لذا جعلوا شرط البُخَارِيّ أو شرط البُخَارِيّ ومُسْلِم حجة للروايات في غيرهما ، بِها ترفع مكانتها ، وتنفي الشك عنها ، فكان مجرد شرطهما أو شرط أحدهما ، شهادة إثبات و تشريف ، وإعلاء مكانة ومَنْزِلَةٍ ؛ مع أنه لا ينكر تفاوت العلماء في الاحتجاج بصحيح البُخَارِيّ ومُسْلِم ، واعتبار صحيح البُخَارِيّ أقوى حجة وأعلى مرتبة ، وصحيح مُسْلِم مع صحة ما فيه أحسن تبويبا وتنظيما ؛ إذ قال الزبيدي في بيان درجات الصحيح وتقديم روايات الصحيحين: ويتفاوت في القوة ( أي الصحيح لغيره ) باعتبار ضبط رجاله وتحرِّي مخرِّجيه ، ومن ثَمَّ قُدِّم ما أخرجه البُخَارِيّ ، ثم مُسْلِم ثم ما اتفقا عليه ، ثم ما انفرد به أحدهما ، ثم ما على شرطهما أو أحدهما ، ثم ما على شرط غيرهما إ.هـ ولكن مع هذا لا ننفي أنه قد وُجِدَ من العلماء من يغالي ويبعد النجعة في ذلك ، فيورد للبخاري شرطا ليس عنده أصلا ؛ فقد قال الحاكم ( ت405هـ ) في كتاب المدخل في هذا الباب: الدرجة الأولى من الصحيح اختيار البُخَارِيّ ومُسْلِم ، وهو أن يروي الحديث عن رسول الله صحابي زائل عنه اسم الجهالة ، بأن يرويه عنه تابعيان عدلان ثم يروي عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من أتباع التابعين حافظ متقن وله رواة من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البُخَارِيّ حافظا مشهورا بالعدالة في روايته ، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا ، كالشهادة على الشهادة إ.هـ الأمر الذي أثار العلماء عليه ، فرموه عن قوس واحدة ...