ولكن تلك الطريق هي طريقة أهل العلم بالحديث ، العالمين بما بعث الله به رسوله . ولكن نحن نذكر طريقًا آخر فنقول: نقدِّر أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد ، أو لم يُعلم أيها الصحيح ، ونترك الاستدلال بها في الطرفين ، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر ، وما يٌعلم من العقول والعادات ، وما دلت عليه النصوص المتفق عليها .
فنقول: من المعلوم المتواتر عند الخاصة والعامة ، الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات والسير: أن أبا بكر رضي الله عنه لم يطلب الخلافة: لا برغبة ولا برهبة ، لا بذل فيها ما يرغّب الناس به ، ولا شهر عليهم سيفًا يرهبهم به ، ولا كانت له قبيلة ولا موالٍ تنصره وتقيمه في ذلك ، كما جرت عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم ، ولا طلبها أيضا بلسانه ، ولا قال: بايعونى ، بل أمر بمبايعة عمر وأبى عبيدة ، ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه ، ولا أكرهه على المبايعة ، ولا منعه حقا له ، ولا حرك عليهم ساكنا . وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة . .
ثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته ، والذين بايعوه هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، وهم السابقون الأّولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد ، ولم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة .
وأما علىّ وسائر بنى هاشم فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه ، لكن تخلف من كان يريد الإمرة لنفسه ، رضي الله عنهم أجمعين . ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين ، لم يقاتل مسلمين، بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة، وأخذ يزيد الإسلام فتوحا ، وشرع في قتال فارس والروم ، ومات والمسلمون محاصرو دمشق ، وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يستأثر عنهم بشئ ، ولا أمّر له قرابة .