فهرس الكتاب

الصفحة 737 من 2214

ثم وَلِىَ عمر بن الخطاب ، ففتح الأمصار ، وقهر الكفّار ، وأعزّ أهل الإيمان، وأذلّ أهل النفاق والعدوان ، ونشر الإسلام والدين ، وبسط العدل في العالمين ، ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين ، ومصَّر الأمصار للمسلمين، وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يتلوث لهم بمال ، ولا ولَّى أحدًا من أقاربه ولاية ، فهذا أمر يعرفه كل أحد .

وأما عثمان فإنه بنى على أمر قد استقرّ قبله بسكينة وحلٍ ، وهدى ورحمة وكرم ، ولم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته ، ولا فيه كمال عدله وزهده ، فطُمع فيه بعض الطمع ، وتوسّعوا في الدنيا ، وأدخل من أقاربه في الولاية والمال ، ودخلت بسبب أقاربه في الولايات والأموال أمور أنكرت عليه ، فتولد من رغبة بعض الناس في الدنيا ، وضعف خوفهم من الله ومنه ، ومن ضعفه هو ، وما حصل من أقاربه في الولاية والمال ـ ما أوجب الفتنة ، حتى قُتل مظلوما شهيدًا.

وتولىّ علىُّ علَىَ إثر ذلك ، والفتنة قائمة ، وهو عند كثير منهم متلطّخ بدم عثمان ، والله يعلم براءته مما نسبه إليه الكاذبون عليه ، المبغضون له ، كما نعلم براءته مما نسبه إليه الغالون فيه ، المبغضون لغيره من الصحابة ؛ فإن علياّ لم يُعِن على قتل عثمان ولا رضى به ، كما ثبت عنه ـ وهو الصادق ـ أنه قال ذلك ، فلم تصف له قلوب كثير منهم ، ولا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه ، ولا اقتضى رأيه أن يكف عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه الأمر ، بل اقتضى رأيه القتال ، وظن أنه به تحصل الطاعة والجماعة ، فما زاد الأمر إلا شدة ، وجانبه إلا ضعفا ، وجانب من حاربه إلا قوة ، والأمة إلا افتراقًا ، حتى كان في آخر أمره يطلب هو أن يكف عنه من قاتله ، كما كان في أول الأمر يُطلب منه الكفّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت