بل قد يثبت حديث بطريق واحد، ويجيء بطرق أخرى متكاثرة ولايصح شيء منها، ولايحكم له بالتواتر، كحديث"إنما الأعمال بالنيات"فقد زعم صاحب كتاب: نظم المتناثر تواتره، وذكره عن ثلاثين صحابيا، وليس عند أهل العلم إلا حديثا غريبا، قال ابن المديني: لايصح له طريق إلا طريق عمر، وقال الخطابي: لاأعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك، مع أنك تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خطب به على المنبر؛ ولكن لم يروه عنه إلا عمر خطبةً على المنبر، ولم يروه عنه إلا علقمة، ولم يروه عن علقمة إلى محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم رواه عنه الجمع الغفير، وقد زعم أبوإسماعيل الهروي أنه كتبه عن سبع مئة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد.
إذن فطريقة أهل السنة والجماعة، ومن سار على منهج السلف أنهم ينظرون في أصح طريق جاء منه هذا الخبر، فإن ثبت به الخبر نظروا في الطريق الثاني فإن كان ثابتا زاده قوة، وإن لم يكن ثابتا نظروا في ضعفه هل ينجبر أم لا؟ فإن كان ينجبر جُبر بالتعدد، وإلا كان باطلا، وهكذا دواليك ..
وإن كان الأول غير ثابت نظروا هل ضعفه ينجبر بغيره بنفس الطريقة كما تقدم، فربما تتكاثر الطرق ولا يزيد تكاثرها الخبر إلا وهنًا، كمثل حديث:"شيبتني هود وأخواتها"لم يكن سبب ضعفه إلا اضطرابه الكائن من تعدد مسانيده!! وهذا يكون بطريقة لايحسنها إلا أهل الحديث، وربما تتكاثر ويدل تكاثرها على اختلاق الخبر، وهذا يتبين بأمور منها: مخالفة الخبر لصريح القرآن، أومخالفته لما هوأصح منه، أوبقرينة تدل على الاتفاق على الكذب، وقد علق ابن القيم رحمه الله على حديث مَرّة بأنه لوجاء بإسناد كالشمس لما قبلناه!! وقال ابن حجر رحمه الله عن حديث لوجاء هذا بتسعين إسنادا مثل إسناده هذا لم يكن إلا ضعيفا.