فهرس الكتاب
الصَّلاةِ لِيَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهَا، وَيَأْخُذَه عَن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُومُ فِيهَا بِلَا قَلْب فلا يَنَالُ مِنْ إقْبالِ اللهِ تعالَى عَلَيْهِ وَكَرَامَتِهِ وَقُربِهِ مَا يَنَالُهُ الْمقبلُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ الحاضِرُ القَلْب في صَلاتِهِ، فَيَنْصِرفُ مِنْ صَلاتِهِ مِثلَ مَا دَخَلَ فِيهَا بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ وأثْقَالِهِ لَمْ تَخُفَّ عَنْهُ بالصَّلاةِ.
فالصَّلاةُ إنَّمَا تُكَفِّرُ سَيّئاتِ مَنْ أَدَّى حَقَّهَا وَأَكْمَلَ خُشُوعَهَا، وَوَقَفَ بَيْنَ يَدي اللهِ تَعَالى بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ، فَهَذَا إِذَا انْصَرَفَ مِنْهَا وَجَدَ خِفَّةً فِي نَفْسِهِ، وَأَحَسَّ بأثقَالٍ وُضِعَتْ عَنْهُ، فَوَجَدَ نَشَاطًا وَرَاحَةً وَرَوْحًا حتَّى أنَّهُ يَتَمنَّى أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لأنَّها قُرَّةُ عَينهِ وَنَعِيمُ رُوحِهِ وَجَنَّةُ قَلْبِهِ وَمُسْتَرَاحُه في الدُّنْيَا، فَلا يَزَالُ كَأنَّهُ في سِجْنٍ وَضِيقٍ حَتَّى يَدْخلَ فِيهَا فَيَسْتَريحُ بِها لا مِنْهَا.
المُحِبُّونَ يَقولُونَ: نُصَلّي فَنَسْتَرِيحُ بِصَلاتِنَا كَمَا قَالَ إِمَامُهم وَقُدْوَتُهم وَنَبِيُّهُمْ صلى الله عليه وسلم: «قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بالصَّلاةِ» [1] وَلَمْ يَقُلْ: أَرِحْنَا مِنْه.
وقال صلى الله عليه وسلم:» جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ « [2] فَمَنْ جُعِلْتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ في الصَّلاةِ كَيْفَ تَقَرُّ عَيْنُهُ بِدُونِهَا وَكَيْفَ يُطِيقُ الصَّبْرَ عَنْهَا، فَصَلاةُ هَذَا الحَاضِرِ بِقَلْبِهِ الذي قُرَّةُ عَيْنِهِ في الصَّلاةِ هِيَ الَّتِي تَصْعَدُ وَلَهَا نُورٌ وَبُرْهَانٌ؛ حَتَّى يُسْتَقْبَلَ بِهَا الرَّحْمَنُ فَتَقُولُ:"حَفِظَكَ اللهُ تَعَالى كَمَا حَفِظْتَنِي"، وأمَّا صَلاةُ الْمُفَرِّطِ الْمُضَيّعِ لِحُقُوقِهَا، وَحُدُودِهَا، وَخُشُوعِهَا؛ فَإنَّهَا تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ وَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا وَتَقُولُ:"ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي" [3] اهـ.
فقد روى مسلم عن عثمان رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» [4] .
(1) رواه أبو داود (4986) عن سالم بن أبي الجعد بسند صحيح.
(2) رواه النسائي (3940) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بسند حسن.
(3) الوابل الصيب (21 - 22) .
(4) رواه مسلم (228) .