فهرس الكتاب
في خلال ذلك يلتفتُ عنِ السُّلطانِ يمينًا وشمالًا، وقد انصرفَ قلبهُ عن السُّلطانِ فلَا يفهم ما يخاطبه بهِ، لأنَّ قلبَه ليس حاضرًا معه، فمَا ظنُّ هذا الرَّجلِ أن يفعل به السُّلطانُ؟ أفليسَ أقلُّ المراتبِ في حقِّه أن يَنْصَرِفَ مِنْ بينِ يديهِ مَمْقُوتًا مُبعدًا قد سقطَ من عَيْنَيْهِ؟
فهذا الْمُصَلِّي لَا يستوي والحاضرُ الْقَلْبِ الْمُقْبِلُ على الله تعالى في صلاتِه، الذي قد أشعرَ قلبَهُ عظمةَ مَنْ هُوَ واقفٌ بين يديهِ فامتلأَ قلبُهُ من هيبتِهِ، وَذَلَّتْ عنقُه لهُ، واسْتَحَى منْ رَبِّهِ تعالى أن يُقْبِلَ على غيرِه أو يلتفتَ عنهُ.
وبينَ صلاتيهما كما قال حسَّانُ بنُ عطيَّةَ: إنَّ الرَّجلينِ ليكونانِ في الصَّلاةِ الواحدةِ؛ وَإنَّ ما بينهما فِي الفَضْلِ كمَا بين السَّماءِ والأرضِ، وذلك أنَّ أحدَهُمَا مقبلٌ بِقَلْبِهِ علَى الله عزَّ وجلَّ، وَالآخَرُ سَاهٍ غَافِلٌ.
فَإِذَا أقبلَ العبدُ على مخلوقٍ مثلِه وبينَهُ وبينَهُ حجابٌ لمْ يَكُنْ إقبالًا ولا تقريبًا، فمَا الظَّنُّ بِالْخَالِقِ عَزَّ وجلَّ؟ وإذا أقبلَ على الخالقِ عزَّ وجلَّ وبينهُ وبينهُ حجابُ الشَّهواتِ والوساوسِ، والنَّفْسُ مشغوفةٌ بها مَلْأَى مِنْهَا فكيف يكونُ ذلكَ إقبَالًا، وقدْ ألهتهُ الوساوسُ والأفكارُ وذهبتْ بهِ كُلَّ مَذْهَبٍ بِهَا؟" [1] ."
الثَّاني: على المصلِّي أن ينتبه من كيد الشَّيطانِ له بإلهائه بأمور خارجة عن مقصوده.
قال الإمامُ ابن قيم الجوزية رحمه الله:"والعَبْدُ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ غَارَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ؛ فَإنَّهُ قَدْ قَامَ فِي أَعْظَمِ مقَامٍ وَأَقْربِهِ وَأَغْيَظِهِ للشَّيْطَانِ وَأَشَدِّهِ عَلَيْهِ، فهو يحرصُ وَيَجتَهِدُ كُلَّ الاجْتِهَادَاتِ أَنْ لا يقيمهُ فيهِ، بَلْ لا يزالُ بِهِ يَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ وَيُنْسِيهِ ويجلب عليْهِ بخيلهِ وَرَجلِهِ حَتَّى يُهَوِّنَ عَلَيْهِ شَأَنَ الصَّلاةِ فيتهاونُ بها فيتركهَا."
فَإنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ مِنْهُ وَعَصَاهُ العَبْدُ وَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَقْبَل عَدُوُّ اللهِ حَتَّى يَخْطُر بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ، فَيُذَكِّرَه فِي الصَّلاةِ مَا لَمْ يَذكُرْ قَبْلَ دُخُولِهِ فِيهَا، حَتَّى رُبَّمَا كَانَ قَدْ نَسِي الشَّيْءَ والحَاجَةَ وأَيِسَ مِنْهَا، فيذكرهُ إِيَّاهَا في
(1) الوابلُ الصَّيِّبُ مِنَ الكلمِ الطَّيِّبِ (ص:21) .