وليس في نظر الفجاءة شيءٌ؛ لأنَّه يكون عن غير قصد، وهو النَّظرة الأولى، وأمَّا النَّظرةُ الثَّانيةُ فإنَّ المرءَ مؤاخذٌ بها، آثمٌ في فعله.
قال أبو العبَّاس القباب [1] :"وغضُّ البصرِ مأمورٌ بهِ، وهو أن ينقص"
من نظره، ويؤمر به الماشي في الطريق ونحوه بأن ينقص، بخلاف الجالس على الطريق فيؤمرُ بغضِّ بصرهِ أكثر من غيرهِ" [2] ."
وقال الحافظ أبو الحسن بن القطان الفاسي [3] :"حاسةُ البصر إحدى أبواب القلب وأهمِّ الطُّرقِ إليه، وعملها أكثر أعمال الجوارح وقوعًا وتكرارًا ما عدا النَّفس [4] ".
والحجة في هذا والأصل هو قوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:30 - 31] .
وقال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] .
وقال جلَّ وعز: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19] .
وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ،
(1) هو الإمام الحافظ القاضي الخطيب أبو العباس أحمد بن قاسم بن عبدالرحمن الجُذَامي الفاسي؛ الشهير بالقَبّاب، ولد بفاس سنة 724 هـ، وتوفي عام 778 هـ.
(2) مختصر كتاب"النظر"لابن القطان (ص:111) .
(3) علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي أبو الحسن ابن القطان، ولد بفاس سنة 562 هـ، وتوفي عام 628 هـ.
(4) النظر في أحكام النظر (ص:63) .