فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 1064

وعليه تَبِطُل شبهتهم - بفضل اللهِ - سبحانه وتعالى -.

ثالثًا: إنني أفترض جدلًا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أكل مما ذبح على النصب قبل أن يوحى إليه - وحاشاه ذلك -.

أقول: لا يقدح هذا الأمر فيه - صلى الله عليه وسلم - أبدًا؛ يدل على ذلك دليلان:

الأول: قولُ اللهِ - سبحانه وتعالى - لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - {: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء 113) .

الثاني: ما ذكره ابنُ حجر في الفتح: قَالَ الدَّاوُدِيّ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَبْل الْمَبْعَث يُجَانِب الْمُشْرِكِينَ فِي عَادَاتهمْ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَم مَا يَتَعَلَّق بِأَمْرِ الذَّبْح، وَكَانَ زَيْد قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ لَقِيَهُمْ. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ: فَإِنْ قِيلَ فَالنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَوْلَى مِنْ زَيْد بِهَذِهِ الْفَضِيلَة، فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَكَلَ مِنْهَا، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون أَكَلَ فَزَيْد إِنَّمَا كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ بِرَأْيٍ يَرَاهُ لَا بِشَرْعٍ بَلَغَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عِنْد أَهْل الْجَاهِلِيَّة بَقَايَا مِنْ دَيْن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ فِي شَرْع إِبْرَاهِيم تَحْرِيم الْمَيْتَة لَا تَحْرِيم مَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيم ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام، وَالْأَصَحّ أَنَّ الْأَشْيَاء قَبْل الشَّرْع لَا تُوصَف بِحِلٍّ وَلَا بِحُرْمَةٍ، مَعَ أَنَّ الذَّبَائِح لَهَا أَصْل فِي تَحْلِيل الشَّرْع، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى نُزُول الْقُرْآن، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا بَعْد الْمَبْعَث كَفّ عَنْ الذَّبَائِح حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَة. قُلْت: وَقَوْله إِنَّ زَيْدًا فَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْل الدَّاوُدِيّ إِنَّهُ تَلَقَّاهُ عَنْ أَهْل الْكِتَاب، فَإِنَّ حَدِيث الْبَاب بَيَّنَ فِيمَا قَالَ السُّهَيْلِيّ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَالَهُ زَيْد بِاجْتِهَادٍ لَا بِنَقْلٍ عَنْ غَيْره، وَلَا سِيَّمَا وَزَيْد يُصَرِّح عَنْ نَفْسه بِأَنَّهُ لَمْ يَتَّبِع أَحَدًا مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض فِي الْمِلَّة الْمَشْهُورَة فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء قَبْل النُّبُوَّة إِنَّهَا كَالْمُمْتَنِعِ لِأَنَّ النَّوَاهِي إِنَّمَا تَكُون بَعْد تَقْرِير الشَّرْع، وَالنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيح. اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت