التفسير الثاني: قال بعضُ المفسرين: (تمنى) أي: تلا كتابَ اللهِ، والمعنى: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حينما يتلو كتابَ الله يلقى الشيطانُ على أسماعِ الكفارِ الوساوسَ والشبهات في قلوبهم ضد القرآن عند تلاوةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فينسخ اللهُ ما يلقى الشيطان ثم يحكم اللهُ آياته، ولا يلقى الشيطانُ على لسانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في القصة المكذوبة، وهذا ما ذكره القرطبىُّ عن سليمانَ بنِ حربٍ، وما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وقاله ابن العربي وغيرهم.
يدعم ما سبق الآيةُ التي تليها؛ يقول - سبحانه وتعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (الحج 53) .
وأتساءلُ سؤالين:
الأول: هل محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الذين في قلوبِهم مرضٌ والقاسيةِ قلوبُهم، وقد قال - سبحانه وتعالى - له: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} (الأنبياء 107) ،
وقال - سبحانه وتعالى - في حقِه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران 159) ؟!
الثاني: هل محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - من الظالمين الذين هم في شقاقٍ بعيدٍ؟!
واللهُ - سبحانه وتعالى - يقول له {: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى 52) .
ويقول - سبحانه وتعالى - {: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المؤمنون 73) ؟!