وعلى كلٍّ أقول: إن هذه الآيةَ والآياتِ التي تليها تشيرُ إلى قصةٍ حدثت في بيتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهي قصة (العسل والمغافير) ؛ القصةٌ ثابتةٌ في الصحيحين واللفظ للبخاري برقم 4862 عن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ}
لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا.
نلاحظ بعد القراءةِ: أن نساءه - صلى الله عليه وسلم - تظاهرن عليه بدافعِ الغيرةِ المعروفة عند النساءِ عامة، فحرّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العسلَ على نفسِه إرضاءً لهن فعتابه اللهُ - سبحانه وتعالى - قائلًا له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التحريم 1) .
وعليه: فهذه الآية الكريمة ليس فيها اتهامٌ له - صلى الله عليه وسلم - بتحريم ما أحل الله؛ ولكنها من بابِ العتاب له - صلى الله عليه وسلم - من ربِّه - سبحانه وتعالى - الذي يعلم - سبحانه وتعالى - أنه - صلى الله عليه وسلم - يستحيل عليه أن يحرّم شيئًا، أو أمرًا، أو عملًا أحلّه اللهُ
فكلُّ ما هنالك أنه - صلى الله عليه وسلم - شدد على نفسِه لصالحِ مرضاةِ زوجاتِه، وذلك من خلقِه الرفيع .... وهذا من العتاب لا كما فهم وزعم المعترضون ....
ثم إن قصةَ وطء النبيِّ لماريةَ القبطية في بيتِ حفصة لا تصح ويمكن للقارئ أن يرجع إلى هذه الشبهةِ في البابِ الثالثِ من كتابي: (رد السهام عن خير الأنام ص 443 الطبعة الثانية) .