لقدْ كانَ لقَبيلَةِ سبَإٍ في مَسكَنِهمْ مأرَبَ باليَمَنِ عَلامَةٌ بارِزَةٌ وعِبرَةٌ واضِحَة، فكانَ لهمْ بُستَانانِ عَظيمانِ عنْ يَمينِ بلَدِهم، وشِمالِه، فكُلوا مِنْ ثِمارِ هاتَينِ الجنَّتَينِ اللَّتينِ أنعمَ اللهُ بهما عَليكم، واهنَؤوا بهما، واشكُروا لهُ على هذا الرِّزقِ الكريم، ولا تُسرِفوا ولا تَبطَروا، ولا تَنسوا الفُقَراءَ ممَّا أنعَمَ اللهُ بهِ عَليكم. إنَّها بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ مُبارَكَة، تُنبِتُ لكمْ ما تَشتَهونَ مِنَ الزَّرعِ والثَّمَر، ورَبٌّ كَريمٌ يَرزُقُكم، ويَغفِرُ لكمْ ما فرَطَ منكم، ما دُمتُمْ مُوَحِّدينَ شاكِرين.
فأعرَضوا عنِ التَّوحيدِ والطَّاعَة، ولم يَشكرُوا رَبَّهمْ على نِعَمِهِ عَليهم، بلْ ضَلُّوا وعبَدوا الشَّمس، فأرسَلنا عَليهمُ السَّيلَ الشَّديدَ الذي لا يُطاق، وبَدَّلناهُمْ ببُستانَيهمُ الكَبيرَينِ المَليئَينِ بأنوَاعِ الثِّمارِ، بُستانَينِ ذَواتَي ثمَرٍ مُرٍّ، ونبَاتِ الأثْلِ ذي الأغصَانِ المُعَقَّدَةِ والأورَاقِ الدَّقيقَة، وشجَرِ السِّدْرِ ذي الشَّوكِ الكثيرِ والثَّمَرِ القَليل.
وقدْ جزَيناهُمْ بذلكَ لكُفرِهمُ النِّعمَةَ وضَلالِهمْ عنِ الحقّ، ولا نُجازِي بمِثلِ هذا الجَزاءِ الشَّديدِ إلاّ الكافِرين.
وممَّا أنعَمنا عَليهمْ أنْ جعَلنا قُرَاهُمْ مُتَواصِلَة، مِنْ بِلادِهمْ حتَّى يَصِلوا إلى قُرَى الشَّام، فلا يَقيلُونَ بقَريَةٍ حتَّى يَجِدوا أمامَهمْ قُرًى أخرَى واضِحَة، وجعَلنا بينَ كُلِّ قَريَةٍ وأخرَى مسافَةً مُعيَّنةً يَعرِفُها المسافِرون، فامشُوا فيها باللَّيالي والأيَّامِ وَقتَما شِئتُم، آمِنينَ مُطمَئنِّين، لا تَخافُونَ عَدوًّا، ولا جُوعًا، ولا عطَشًا.
وطالَتْ بهمُ النِّعمَة، فبَطَروا وطغَوا، وآثَروا الأدنَى على الذي هوَ خَير، وقالوا: اللهمَّ باعِدْ بينَنا وبينَ مَواطِنِ تِجارَتِنا وتنَقُّلِنا، واجعَلها قِفارًا وصَحاري، حتَّى نركبَ الرَّواحِلَ ونتزَوَّد. فأضَرُّوا بأنفُسِهمْ عندَما كفَروا وطغَوا، فجَعلناهُمْ أُحدوثَةً وعِبرَةً لمَنْ بعدَهم، وفرَّقناهُمْ كُلَّ تَفريق، في كُلِّ وَجهٍ وصَوبٍ مِنَ البِلاد. وفيما ذُكِرَ مِنْ قِصَّتِهمْ عِبَرٌ ودَلالاتٌ لكُلِّ صابِرٍ عنِ المعاصي والشَّهوات، شاكِرٍ لنِعَمِ الله.
(تفسير للآيات 15 - 19 من سورةِ سبأ) .