{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} (غافر: 26)
قالَ فِرعَونَ لأصحَابِ الرَّأي والمَشورَةِ عندَه: دَعوني أقتُلْ موسَى، ولْيَستَنصِرْ ربَّهُ عليَّ بما شَاء، فلا أُبالي بذلك، إنِّي أخشَى إنْ لم أَقتُلْهُ أنْ يَبَدِّلَ ما أنتُمْ عَليهِ مِنْ عِبادَتي وعِبادَةِ الأصْنام، أو أنْ يُفسِدَ عَليكمْ أمرَ دُنياكم، فيَقتُلَ النَّاسَ ويُضَيِّعَ الحُقوق!
وقالَ موسَى عَليهِ السَّلامُ لمَّا سَمِعَ حَديثَ قَتلِه: إنِّي التَجأتُ إلى الله، واستَجَرْتُ بهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ مُستَكبِرٍ لا يُذعِنُ للحقّ، ولا يُؤمِنُ بيَومِ الحِسابِ والجَزاء.
وقالَ لهمْ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ قَومِ فِرعَون، قدْ كتمَ إيمانَه: كيفَ تَقتُلونَ رَجُلًا لا ذَنْبَ لهُ إلاّ أنَّهُ يَقولُ رَبِّيَ الله، ولم يَقصِدْكمْ بإيذَاء، وقدْ أيَّدَ قَولَهُ بالدَّليلِ والبُرهان، فإذا كانَ كاذِبًا في قَولِهِ فإنَّ وَبالَ ذلكَ يَعودُ عَليه، ولنْ يَضُرَّكمْ بشَيء، وإذا كانَ صادِقًا فإنَّ أقلَّ ما في صِدقِهِ أنْ يُصيبَكمْ بَعضُ ما توَعَّدَكمْ به، ولو كانَ مُسرِفًا في القَتلِ والفَساد، وكاذِبًا في ادِّعاءِ النبوَّة، لَما هَداهُ اللهُ إلى البَيِّنات، ولَما أيَّدَهُ بالمُعجِزات؟ وفي ذلكَ تَعريضٌ بفِرعَونَ وفَسادِه.
وقالَ وهوَ يَنصَحُهمْ بحِكمَة: يا قَوم، إنَّ لكمُ الحُكمَ والمُلكَ اليَومَ على بَني إسْرائيلَ في أرْضٍ مِصر، فمَنْ يُنقِذُنا مِنْ عَذابِ اللهِ إنْ حَلَّ بنا؟ فلا تُفسِدوا أمرَكم، ولا تَتعَرَّضوا لسخَطِ الله، واحذَروا نِقمَتَه، فإنَّهُ لنْ تُغنيَ عنكمْ قُوَّتُكمْ أمامَ قُوَّةِ الله.
قالَ فِرعَونُ لمَلَئهِ بَعدَما سَمِعَ كلامَ المؤمِن: لا أُشيرُ عَليكمْ إلاّ بقَتلِه، وما أدعُوكُمْ بهذا الرَّأي إلاّ إلى طَريقِ الصَّلاحِ والصَّواب.