وإذا تُتلَى عَليهمْ آياتُ كتابِنا النَّاطِقَةُ بالحقّ، وأنَّ اللهَ يَبعَثُهمْ بعدَ المَوتِ للحِسابِ والجَزاء، ما كانَ دَليلُهمْ على إنكارِهِ إلاّ أنْ قالوا: أحيُوا آباءَنا السَّابِقين، إنْ كنتُمْ صادِقينَ أنَّ هُناكَ حَياةً بعدَ الموت!
{قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الجاثية: 26)
قُلْ لهمْ أيُّها الرسُولُ الكَريم: إنَّ اللهَ يُحييكمْ عندَ خَلقِكم، ثمَّ يُميتُكمْ عندَ انقِضاءِ آجالِكم، ثمَّ يَبعَثُكمْ ويَجمَعُكمْ في يَومِ القِيامَة، الذي لا شَكَّ فيه، ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ ذلك؛ لجَهلِهم، أو عدَمِ إمعانِهمْ في التَّفكير، أو استِكبارِهمْ عنِ اتِّباعِ الحقّ.
{وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} (الفرقان: 40)
ولقدْ أتَى قومُكَ على آثارِ مَدينَةِ سَدُوم عندَ البحرِ الميِّت، التي كانَ فيها قَومُ لوطٍ -وهيَ في طريقِ تجارَتِهمْ بينَ الشَّامِ والحِجاز - وكانوا يأتونَ الفاحِشَة، وكذَّبوا نبيَّهمْ لوطًا ولم يُطيعوه، وبَقوا مُصِرِّينَ على فِعلِ اللِّواط، فأهلكناهُمْ بالحِجارَة، وقدْ قَلَّبْنا قُراهُمْ على رأسِها. أمَا كانوا يَعتَبِرونَ ممّا أصابَ أهلَها، ويَعلَمونَ أنَّ اللهَ قادِرٌ على أنْ يُهلِكَهمْ كما أهلَكَهم؟
لكنَّ سببَ عدَمِ اعتِبارِهمْ هوَ كفرُهمْ بالبَعثِ والجَزاء، فلا يتَوقَّعونَ أنْ يَبعثَهمُ اللهُ بعدَ مَوتِهمْ ويُحاسِبَهمْ على أعمالِهم.
وإذا رآكَ المشرِكونَ مِنْ قَومِكَ جعَلوا منكَ مَوضِعَ هُزْءٍ وسُخريَة، فعَابُوكَ ونقَصُوا منك، وقالُوا في ازدِراء: أهذا هوَ الذي بعثَهُ اللهُ رَسولًا إلَينا؟
وقالوا: لقدْ كادَ أنْ يَصرِفَنا هذا الرَّجُلُ عنْ عِبادَةِ أصنامِنا لو لم نَثبُتْ عَليها! ولكنَّهمْ سيَعلَمونَ أنَّهمْ كانوا في غايَةِ الضَّلال، عندَما يُعاينُونَ العَذابَ يَومَ القيامَةِ وقدْ أحاطَ بهم.
(تفسير الآيات 40 - 42 من سورة الفرقان)