{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} (فصلت: 29) :
وقالَ الكافِرونَ وهمْ يُعَذَّبونَ في النَّار: ربَّنا أَرِنا اللَّذَينِ كانا سبَبَ كُفرِنا وضَلالِنا مِنَ الجِنِّ والإنسِ حتَّى أردَيانا في النَّار، لنَدوسَهُما بأقدامِنا ونَنتَقِمَ منهما، ويَكونا في الدَّرْكِ الأسفَلِ مِنَ النَّار.
قالَ اللهٌ سبحانه: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44] :
ونادَى أصحابُ الجنَّةِ - بعدَ الاستِقرارِ فيها - أصحابَ النارِ، تأنِيبًا لهمْ وتوبَيخًا: لقدْ وجَدنا ما وعدَنا ربُّنا مِنَ النَّعيم والكرامةِ حقًّا وصِدقًا كما بلَّغَنا على ألسِنَةِ رسُلِه، فهلْ وجدتُمْ ما وعدَكمْ ربُّكمْ منَ العَذابِ والهَوانِ حقًّا؟
قالوا: نعم، قدْ وَجدناهُ حقًّا كذلك.
فنادَى مُنادٍ بينَهمْ يُسمِعُ الفَريقين: لعنةُ اللهِ على الكافِرين.
فيَزدادُ بذلكَ أصحابُ الجنَّةِ سُرورًا، وأصحابُ النارِ حُزنًا وغَمًّا.
ونادَى أهلُ النَّارِ - وهمْ في الجَحيمِ تُسَعَّرُ بهمُ النار - أصحابَ الجنَّة، وهمْ في النَّعيمِ مُتَلذِّذون: صُبُّوا علينا شَيئًا مِنَ الماء، أو ممَّا رزقَكمُ اللهُ مِنْ طَعامِ الجنَّة، فيقولونَ لهم: إنَّ اللهَ حرَّمَ ماءَ الجنَّةِ وطعامَها على الكافِرين.
قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ رحمَهُ اللهُ في هذهِ الآية: يُنادي الرجلُ أباهُ أو أخاهُ فيقول: قدِ احتَرقتُ، أفِضْ عليَّ منَ الماء. فيُقالُ لهم: أجيبُوهم. فيقولون: إنَّ اللهَ حرَّمَهُما على الكافِرين.
همُ الكافِرون، الذينَ اتَّخَذوا دينَ اللهِ الذي أُلزِمو باتِّباعه، هُزْءًا وسُخريَة، بدلَ أنْ يَستقبِلوهُ بصدْقٍ وجِدّ، فاستحلُّوا وحرَّموا كما تُملي عليهمْ أهواؤهم، واغترَّوا بزينةِ الدُّنيا، وشَغلتهُمْ شهواتُها وزَخارِفُها عنِ الآخِرَة، فأعرضوا عنها