هكذا، في نِظامٍ كَونيٍّ رائع، ودِقَّةٍ في الحسَابِ مُتنَاهيَة، ولا أحدَ يَستَطيعُ أنْ يتصَرَّفَ فيهما ويُغَيِّرَ منْ هَيئاتِهما، ومَنِ ادَّعَى أنَّهُ إله، فليَجعَلِ المَشرِقَ مَغرِبًا، والمَغرِبَ مَشرِقًا. هذا لمن تفكَّرَ وعَقَلَ ما يُقالُ له.
لم يَعُدْ يتحمَّلُ فِرعَونُ هذا الحِوارَ المَدعومَ بالحُجَّةِ والدَّليل، فلجَأ إلى التَّهديدِ بالقُوَّةِ وقال: إذا جعَلتَ لنَفسِكَ إلهًا غَيري فسَوفَ أحبِسُك. ويُحكَى مِنْ سَجنِ فِرعَونَ ما لا يُوصَف!
فقالَ موسَى عَليهِ السَّلامُ وهوَ ما يَزالُ يُريدُ أنْ يُقنِعَهُ بالحِوارِ والدَّليل: فما تَقولُ إذا أتَيتُكَ ببُرهانٍ قاطِعٍ ومُعجِزَةٍ باهِرَةٍ تَدُلُّ على صِدْقِ نبوَّتي؟
قالَ لهُ فِرعَون: فهاتِ حُجَّتَكَ إنْ كُنتَ صادِقًا في دَعوَاك ...
قالَ نبيُّ اللهِ موسَى لفِرعَونَ المتكبِّر: إنَّني مُرسَلٌ إليكمْ منْ قِبلِ ربِّ العالمَينَ كلِّهم، سيِّدِهمْ ومالكِ أمرِهم.
جديرٌ بي، وواجبٌ عليّ، ألاّ أُخبِرَ عنِ اللهِ إلاّ الحقَّ والصِّدْق، وقدْ جئتُكمْ منْ عِندهِ بمُعجِزةٍ ظَاهرةٍ لتَكونَ دَليلًا على صِدقي، فدَعْ بني إسْرائيلَ يأتوا معي إلى بيتِ المَقدس. وكانَ فِرعَونُ قدِ استَعبدَهمْ واستَعملَهمْ في الأعمالِ الشاقَّة.
قالَ فِرعَون: يا موسَى، إنْ كنتَ جئتَ بمُعجِزةٍ حقًّا، فأظهِرْها لنا، إنْ كنتَ صادقًا في دَعواك.
فألقَى موسَى عَصاهُ في الأرض، فإذا هيَ حيَّةٌ عَظيمة، ظاهِرةٌ للعِيان.
وأخرجَ يدَهُ منْ جيبهِ (وهوَ فَتحَةُ القَميصِ مِنْ أعلاه) ، فإذا هي بيضاءُ ناصعةٌ تَشِعُّ نورًا، لمنْ يَنظرُ إليها.
قالَ السَّادةُ الكُبَراءُ منْ قَومِ فِرعَون: إنَّ موسَى ساحرٌ متمكِّنٌ منْ علمِ السِّحر.