يريدُ أنْ يُخرِجَكمْ - يا شَعبَ مِصرَ - مِنْ ديارِكم. فبماذا تُشيرونَ في أمرهِ أيُّها السَّادة؟
قالَ لهُ قادتهُ ومُستَشاروه: أخِّرْهُ وأنْظِرْهُ وأخَاه، وابعَثْ إلى أقاليمِ مِصْرَ رجالًا منَ الشُّرْطةِ جامعين،
يَجمعوا السَّحَرةَ المَهَرةَ ويأتوكَ بهم.
وجاءَ السَّحَرةُ واجتَمعوا عندَ فِرعَون، وقالوا له: أيَكونُ لنا عَطاءٌ إذا غَلَبْنا موسَى بسِحْرِنا؟
قالَ لهمْ فِرعَون: نعم، لكمُ الأجر، وستَكونونَ في منْزِلَةٍ رَفيعةٍ عِندي، ومنَ الرِّجالِ المقرَّبين إليّ.
واجتَمعوا في السَّاحةِ المقرَّرةِ للمناظَرةِ والتحدِّي، وقال السَّحَرةُ لموسَى عليهِ السلام: إمَّا أنْ تُلقيَ عَصاك أوَّلًا، وإمَّا أنْ نُلقيَ حِبالَنا وعِصيَّنا قبلَك.
قالَ لهمْ موسى: بلْ أَلقُوا أنتُمْ أوَّلًا. ويكونُ هذا أوقعَ في نُفوسِ المشاهِدين، حيثُ يرَونَ عملَ السَّحَرةِ أوَّلًا، ثمَّ التحدِّيَ والنتيجةَ مِنْ قِبَلِ موسَى عليهِ السَّلام. فلمّا ألقَوا ما عندَهم، خيَّلوا عملَهمْ إلى الأعْينِ على خِلافِ الحقِيقة، وأفزَعوهمْ فَزعًا شَديدًا، وقدْ أبدَوا سِحرًا رَهيبًا، كانتْ عِصيُّهمْ وحِبالُهمْ تَبدو وكأنَّها حيَّاتٌ وأفاعيُّ كبيرةٌ تتحرَّك!
وعندَ ذلكَ أوحَينا إلى موسَى: أنْ ألقِ عَصاك. فألقَاها في الأرض، فإذا هي تَتحوَّلُ إلى ثُعبانٍ كَبيرٍ ضَخمٍ، تَبتلِعُ جميعَ ما أبدَى السَّحَرة، ممّا موَّهوا بهِ وأوهَموا المُشاهِدينَ أنَّها حيّاتٌ وأفاعيّ، التي ما كانتْ سِوَى سِحر، خُيِّلَ للناسِ أنَّها حَقيقة!
فظَهرَ الحقّ، وتبيَّنَ أنَّ ما كانَ مِنْ شأنِ موسَى مُعجِزةٌ لا يَقْدِرُ على أنْ يأتيَ بها إنسانٌ مِنْ عندِه، وظهرَ بُطلانُ ما كانَ عليهِ السَّحَرة، وقالوا: لو كانَ ما يَصنعُ موسَى سِحرًا لبقيتْ حِبالنا وعِصيُّنا، فلمّا فُقِدَتْ عَلِمنا أنَّ ذلكَ منْ أمرِ الله.