فغُلِبَ فِرعَونُ وقومُهُ في ذلكَ الحَشدِ الكبيرِ وهُزِموا، ورَجَعوا إلى المدينةِ أذِلَّةً مَقهورين.
أمّا السَّحَرةُ فقدْ بَهرَهمُ الحقُّ، ولمْ يَتمالَكوا إلاّ أنْ خرُّوا للهِ ساجِدين، وكانوا منْ سُرعةِ ما سَجدوا كأنَّ أحدًا دَفعَهمْ وألقاهُمْ للسُّجود!
وقالوا: آمنّا بربِّ العَالمين، مالكِهمْ وسيِّدِهمْ والمتصرِّفِ في أمرِهم.
ربِّ موسَى وهارون، وليسَ هوَ فرعونَ مُدَّعي الربوبيَّة، فما هو إلاّ عَبد.
فقالَ لهمْ فِرعَون، وقدْ عَلِمَ أنْ لا مَجالَ لبقاءِ مُلكهِ بالحِوارِ والعَقلِ والمحاجَجة: أآمنتُمْ بربِّ موسَى وهارونَ قبلَ أنْ أسمحَ لكمْ بذلك؟! إنَّ هذا الصنيعَ الذي قمتُمْ به، ما هوَ إلاّ مُؤامرةٌ وحِيلةٌ كانتْ عنْ سابقِ تَشاورٍ بَينكمْ وبينَ موسَى في المدينةِ قبلَ أنْ تأتوا إلى هذا الميدان، لتُخرِجوا منها القِبْط، وتبقَى لكمْ ولبَني إسرائيل، فسوفَ ترونَ عاقبةَ ما أفعلُ بكم.
سأقطَعُ منْ كلِّ واحدٍ منكمْ يدَهُ اليُمنَى ورِجْلَهُ اليُسرَى، ثمَّ أصلُبُكمْ على جُذوعِ النَّخلِ جميعًا، لتَموتوا جُوعًا وعَطشًا، عُقوبةً لإيمانِكم.
قالَ السَّحرةُ - وقدْ آمَنوا: نحنُ عائدونَ إلى رَحمةِ اللهِ وثَوابِه، ومَصيرُكَ ومَصيرُنا إلى اللهِ يومَ القيامَة، فيَحكمُ بينَنا، ولا نُبالي بوعيدِك، وعذابُهُ أشدُّ مِنْ عذابِك.
وما تُنكِرُ منّا سِوَى إيمانِنا بآياتِ ربِّنا ومُعجِزاتهِ لمّا أتَتنا. اللهمَّ صبِّرْنا على التمسُّكِ بدينِكَ والثَّباتِ عليه، وتوفَّنا على الإسلام، مُتَّبعينَ نبيَّكَ موسَى عليهِ السَّلام.
(تفسير الآيات 104 - 126 من سورة الأعراف) .
من قولهِ تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} ، إلى قولهِ تعالى: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} .