فشرِبَ أكثرُهم، وذُكِرَ أنَّهمْ كانوا عِطاشًا، وبقيَ القَليلُ الذي لم يَشرب، طاعةً لله.
وكانتِ الحكمةُ منْ هذا الابتلاءِ فَرْزُ الضعفاءِ المتذبذبينَ منَ الثابتينَ الأقوياء، فالذين شَربوا ما كانوا ذوي إرادةٍ وطاعة، فما كانوا يَصلُحونَ للحَربِ والقِتال، بل إنَّ فعلَهُمْ هذا يُنْبِئُ عنْ ضَعفٍ وعِلَّة، وأنَّهمْ سيَكونونَ عالةً على بقيَّةِ الجُند، وأنَّهمْ لضَعفِ إرادتِهمْ قدْ يَبثُّونَ الهلعَ وروحَ الهزيمةِ بينهم. ففَصلَهمْ مَلِكُهمْ ولم يسْمَحْ لهمْ بالمشاركةِ في الحربِ الكبيرةِ التي تَنتظرُهم.
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} (البقرة:249)
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (الصف: 5)
واذكُرْ لأصحابِكَ أيُّها الرسُول، ممَّنْ كَرِهَ الجِهاد، قَولَ نَبيِّ اللهِ موسَى لقَومِه، وقدْ دَعاهُمْ إلى قِتالِ الجبابِرَة: يا قَوم، لمَ تؤذُونَني بالمُخالفَةِ والعِصيانِ وأنتُمْ تَعلَمونَ عِلمًا قَطعيًّا أنِّي مُرسَلٌ مِنَ اللهِ إليكم، والرسُولُ يُصَدَّقُ ويُطَاع. وكانوا قدْ قالوا لهُ عليهِ السَّلام: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ! [سورة المائدة: 24] . فلمَّا عصَوا ومالُوا عنِ اتِّباعِ الحقِّ وهمْ يَعرِفونَه، وآذَوا نبيَّهمْ بذلك، صرَفَ اللهُ قُلوبَهمْ عنِ الهُدَى وخذلَهم، لاختيارِهمُ العَمَى والضَّلال، واللهُ لا يوفِّقُ لإصابَةِ الحقِّ مَنْ خَرَجَ عنِ الطَّاعَة، وأصرَّ على الضَّلال، ولم يَسلُكْ مَسالِكَ الهُدَى.