وقد أخَذ الله إقرارَهمْ وعهدَهمْ في التوراةِ بأنْ لا يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يُخْرِجَهُ منْ ديارِه، ولا يُظَاهِرَ عَلَيْه، فأَهلُ المِلَّةِ الواحدة بِمَنْزِلَةِ النفسِ الواحِدَة. وقدْ أَقْروا بِهَذا الميثاقِ وصِحَّتِه، وَشَهِدوا به.
ولكِنَّهمْ نَقَضوا الميثاقَ في هذا كما نَقَضوهُ في غَيْرِه، فصارَ يَقتُلُ بعضُهمْ بعضًا، فَفَرِيقٌ مَعَ الأوْسِ وَفَرِيقٌ مَعَ الخَزْرَج. كما يخْرِجُونَ بعضَهمْ منْ بيوتِ بَعْض، وينْهَبُونَ ما فيها منَ المالِ والمتاعِ وَيَأْخُذُونَ سَبايَاهُمْ، وَيقَوُّونَ أَعْدَاءَهمْ على بعضِهمُ البَعض، وإذا انتهتِ الحربُ فكوا الأُسَارَى منَ الفريقِ المغْلُوبِ وفدوهم ولم يتلوهم عملًا بِحُكْمِ التوراة. ولكنْ لماذا تَعمَلونَ هنا بالتوراةِ بينما تُنَاقِضُونَ أَحْكَامَهَا فِيمَا مَضَى وَيَقتُلُ بعضُكم بعضًا فِي الحَرْبِ وهوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ؟ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ التوراةِ وَتَكْفُرُونَ بالبعضِ الآخَرِ فيه؟
إنَّ جَزاءَ مَنْ يَكونُ كذلكَ هوَ الخِزيُ والعارُ في الحياةِ الدنيا، كما كانَ عاقبتَكم، منَ القتلِ والسبي، والجلاءِ والنفْي، وهو بسببِ مُخالَفَتِكُمُ الشَّرعَ. أمَّا يومَ القيامَة، فالعَذابُ الشديد، جزاءَ كتمِكُمْ ما في كتابِ اللهِ وعصيانِكُمْ أَحْكَامَهُ.
قالَ اللهُ تعالَى في ذلك:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 84 - 85] .