قالَ الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 174) .
لقدْ تَلبَّسوا بغَضَبِ اللهِ وأُلزِمُوا به، فلا يُغادرُهمْ ولا يَنفكُّ عنهم. وسببُ هذا الذلِّ المكتوبِ عليهمْ والغَضَبِ الذي يُلازمُهم، هوَ أنَّهمْ كانوا يَرفُضونَ اتِّباعَ الحقِّ مهما كانَ واضِحًا وقويًّا، ويَكفرونَ بالحُجَجِ والمُعجِزاتِ وهمْ يَرونَها عِيانًا، وزَادوا على ذلكَ جَريمةً لا يَرتكبُها إلاّ أكبرُ مُجرِمي البشرِ وأشقاهُم، وهوَ قتلُ الأنبياء، أصفَى البشَرِ وأنقاهُمْ سَريرة، وأحسنُهمْ خُلُقًا، وأعظمُهمْ قَدْرًا، قَتلوهُمْ بدونِ أيِّ مُبَرِّر، وبدونِ أيِّ حَقّ، بلْ هَكذا سَوَّلتْ لهمْ نفوسُهمُ السيِّئةُ وقُلوبُهمُ السَّوداء؛ عِنادًا وتكبُّرًا وحَسَدًا. فالذي دفَعهمْ إلى كلِّ هذهِ الجرائمِ هوَ عِصيانُهمُ المستَمِرُّ لأوامرِ الله، واعتدَاؤهم وظلمُهم.
وهو معنَى قولهِ عزَّ وجلّ: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران:112]
لقدْ سَمِعَ اللهُ قولَ اليَهودِ عندَما قالوا إنَّ اللهَ فقيرٌ ونحنُ أغنياء، وذلكَ لمّا طَلبَ سُبحانَهُ منْ عِبادهِ أنْ يُنفِقوا مِنْ أموالِهمْ ليدَّخِرَها لهمْ ويَجزيَهمْ عليها خَيرَ الجزاءِ يومَ القيامة، فقالَ عزَّ مِنْ قائل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة:245] ، قالتْ يَهود:"يا محمَّد، افتَقرَ ربُّك، يسألُ عبادَهُ القَرْضَ"! في كُفرٍ وسُوءِ أدَبٍ معَ ربِّ الكَون!