{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
وتَذكَّروا شُؤم َ عِصيانِكم، عندما بدأتُمْ تَصْعَدونَ إلى الجبلِ هروبًا منْ عَدوِّكم، ولا تَنظرونَ وراءَكمْ مِنَ الخَوف، ولا تَسمعونَ كلامَ أحد، لِما أصابَكمْ منْ رُعْبٍ وهَلَع! والرسولُ يُناديكمْ - وقد خَلَّفتُموهُ وراءَكمْ - ليَجمعَكمْ ويُطَمْئنَكمْ بأنَّهُ ما زالَ حيًّا، لا كما أشاعَ العدوُّ بأنَّهُ قُتل! لتَكِرُّوا عليهمْ مِنْ جديد، فجازاكمْ قلقًا وحزنًا موصولًا بحزن، يملأُ نفوسَكمْ كمدُ الهزيمة، وكرْبُ سماعِكمْ مقتلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتَّى لا تَحزَنوا على ما فاتَكمْ منَ الغَنيمةِ والنصرِ على عدوِّكم، وعلى ما أصابَكمْ منَ القَتلِ والجِراح. واللهُ مطَّلِعٌ على خَفايا صُدورِكم، لا يَخفَى عليهِ حقيقةُ أعمالِكمْ ودوافِعُ حركاتِكم.
{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154]
ثمَّ مَنَّ اللهُ عليكمْ بعدَ هذا الحزنِ بنُعاسٍ يَغشَى جَماعةً منكمْ وهمْ في لِباسِ الحَرب، ليكونَ سَكَنًا لهمْ وأمنًا. وطائفةٌ أخرَى لا يَغشاهمُ النعاسُ منَ القلقِ والخَوفِ والجَزَعِ (وهمُ المُنافِقون) تُهِمُّهمْ نَجاةُ أنفسِهمْ فَقط، فذَهبتْ بهمْ نفوسُهمْ إلى ظُنونٍ سيِّئةٍ لا تُوافِقُ الحقّ، بلْ هيَ مِنْ ظُنونِ الجاهليَّة، وقالوا إنَّهُ قُصِمَ ظهرُ الإسلامِ بهذا، فلا قيامَ لهُ مِنْ بعدُ، ولا نصرَ لأهلهِ بعدَ اليوم!
وكانوا يَقولون: لقدْ دُفِعنا إلى المعركةِ دَفْعًا دونَ إرادةٍ لنا فيها.
فقلْ لهمْ أيُّها النبيّ: إنَّ الأمرَ كلَّهُ لله، فهوَ الآمِرُ الحاكِم، والكلُّ يؤدِّي واجبَهُ تُجاهَ دينهِ وربِّه، وهذا الذي قُمتُمْ بهِ هوَ أداءٌ للواجبِ المفرُوضِ