عليكمْ نحوَ دينِكم. إنَّ نفوسَهمْ مَلأى بالهواجسِ والوسَاوس، لم تَكتمِلْ بحقيقةِ الإيمان، فهيَ ما زالتْ تَشكو منِ اعتِراضاتٍ واحتِجاجات، فيُخفُونَ حقيقةَ ما يريدونَ قولَهُ لك، وهو: لو كانَ الأمرُ بيدِنا لمَا استَجبنا نداءَ الرسُول، ولمَا حَضَرْنا المعركة، ولَما أصابَنا القتلُ والجِراحات.
فقلْ لهم: لو أنَّكمْ بَقِيتُمْ في بُيوتِكمْ ولم تَخرجوا إلى القِتال، وكان قَدَرُ المقتولِ منكمْ أنْ يكونَ مصرَعُهُ في مكانِ المعركة، لجاءَ إلى هناكَ وقُتِلَ فيه! فهوَ الأجَلُ الذي لا يَتقدَّمُ في حربٍ، ولا يتأخَّرُ في سِلم.
إنَّهُ الجهادُ الذي يَحتاجُ إلى عَزيمةٍ وصَبر، فيَكشِفُ ما في الصُّدور، ويُخرِجُ ما في القُلوب، وتَتبيَّنُ حقيقةُ كلِّ شخصٍ على ما كانَ يُخفيه، ويَتميَّزُ الخبيثُ منَ الطيِّب، ويَظهَرُ المؤمِنُ والمنافق، فهوَ الابتلاءُ والاختِبار، واللهُ عليمٌ بالأسرارِ الخفيَّةِ التي تَختلجُ في الصُّدور، ولا تَنكَشِفُ في النُّور.
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
إنَّ الذينَ فَرُّوا منَ الحَربِ عندَما تَقابلَ الجيشان، إنَّما كانَ فِرارُهمْ بسببِ ذُنوبٍ سَالفةٍ ارتَكبوها، فضَعُفَ ارتباطُهمْ بالله، وفَقدوا ثِقتَهمْ في قوَّتِهم، واختلَّ تَوازنُهمْ وتَماسُكهم، فوجدَ الشَّيطانُ مَدْخلًا إلى نُفوسِهم، ليَهْجِسَ فيها ويوَسوِس، ويُسَوِّلَ لهمْ حُسنَ الهزيمة! ثمَّ عفا اللهُ عمّا كانَ منهمْ مِنْ فِرار، وهوَ سُبحانَهُ واسِعُ المَغفِرَة، حَليمٌ، لا يُعَجِّلُ العُقُوبَةَ لمَنْ عَصَاه.
[سورة آل عمران: 152 - 155]
وذكَّرهمُ الله تعالَى في موضعٍ آخرَ من السورةِ فقال:
{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:165]
أي: إذا أصابَكمْ ما جَزِعتُمْ منهُ في يومِ أُحُد، وقدْ أَصَبتُمُ المشرِكينَ يومَ بَدر ضِعْفَ ما أصابُوكمْ بهِ، قلتُم: منْ أينَ أصابَنا هذا وكيفَ جرَى؟ قُل: هوَ