بسببِ عِصيانِكمْ أوامرَ رسولِكمْ حينَ أمرَكمْ ألاّ تُغادِروا مكانَكم، فأبَيتُمْ ونزلتُمْ تَجمَعونَ الغَنائم. واللهُ يَحكمُ ما يُريد، فإذا أطَعتُمْ انتَصرتُم، وإذا خالفتُمْ أُصِبتُم.
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ}
أي: وما أصابَكمْ يومَ أُحُدٍ منْ فِرارٍ وقَتلٍ وجِراحَاتٍ هوَ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ولحِكمَة، ليَظهَرَ ويَتميَّزَ مِنْ بينِكمُ المؤمنونَ الذينَ صَبَروا وثَبتوا ولم يَتزَعزَعوا.
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}
أي: ليَظهرَ كذلكَ أهلُ النِّفاقِ المُرجِفون، الذينَ قيلَ لهم: تعالَوا جاهِدوا في سَبيلِ اللهِ وقاتِلوا المشرِكين، أو كثِّرُوا سوادَ المسلِمينَ ورابِطوا: قالوا: لو نَعلمُ أنَّكمْ ستَخوضُونَ حَربًا لجئنا مَعكم، ولكنْ لا حَرب. فرجَع كبيرُ المنافقينَ عبدُاللهِ بنُ أبي سَلُولٍ بثُلُثِ الجَيش! فهؤلاءِ صارُوا أقربَ إلى الكفرِ منهمْ إلى الإيمان، حيثُ كانوا سابِقًا يَتظاهَرونَ بالإيمان، فلمّا خَذلوا عسكرَ المسلِمينَ تَباعَدوا عنِ الإيمانِ واقتَربوا منَ الكفر. إنَّهمْ يَقولونَ بألسنتِهم غيرَ ما يُضمِرونَهُ في قُلوبِهم، فقدْ كانوا عازِمينَ على الارتدادِ والانخِذال. واللهُ أعلمُ بما يُخفونَهُ منْ كُفرٍ ونِفاق، وما يَغْمِرُ قلوبَهم مِنْ شرٍّ وفَساد.
[سورة آل عمران: 165 - 167]
وقدِ استَجابَ المؤمنونَ لنِداءِ الله، وأطاعُوا رسولَهُ عندَما دَعاهُمْ لتَتَبُّعِ المشرِكينَ ليُرعِبوهمْ ويُرُوهُمْ أنَّ بهمْ قوَّةً وجَلَدًا، ولو أنَّهمْ كانوا مُرْهَقين مُثخَنينَ بالجِراح، ولم يَنْدُبْ أحدًا لملاحقِتِهم حتَّى"حمراءِ الأسدِ"إلاّ مَنْ ثَبتَ معَهُ يومَ أُحُد. وكانَ أبو سفيانَ قدْ عَتبَ على المشرِكينَ لأنَّهمْ لم يَغزوا المَدينَة.