فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 1110

وأوهم الحاضرين أنه إنما سأله في حاجة. فبلغ ذلك العراقيين وقيل لهم: «أظننتم أن فلانا يسب محمد بن سحنون، وهو إنما حادثه في أذنه وسأله حاجة؟ » فاتفقوا على قطع صلته، فضاع الرجل وضاع أهله وعياله ووصل إليهم الضرر، فشكا ما نزل به إلى بعض الصالحين فقال: «إن فعلت ما آمرك به حسنت عاقبتك وعاقبة أهلك في الدنيا والآخرة» قال: «وما هو؟ » فقال: «عليك بصاحبك الذي كنت تسبه فأطلعه على أمرك» ، فقبل نصيحته ومضى إلى [ابن] [64] سحنون فوجده في مجلسه والناس حوله، فأصغى إليه بأذنه على العادة فقال له: «أصلحك الله ما جئت لهذا، وإنما جئت تائبا منيبا مما كان مني إليك» ، فقال له: «اجلس» فجلس. فلما انقضى المجلس أخذ بيده ومضى إلى داره ودفع إليه صرة فيها عشرون دينارا عينا، وقال له:

«اتسع بهذه إلى حين [65] يلطف الله عزّ وجلّ لنا» ، ثم كتب محمد بن سحنون ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلا مياسير من أصحابه بالساحل، يسأل كل واحد منهم في شراء جارية وتوجيهها [66] إليه، فوصل إليه ثلاثون جارية في مدة يسيرة، فأمر ببيع خمس منهن وكسا بثمنهن الخمس والعشرين الباقيات وحلاّهن وأجلسهن صفا واحدا، ثم أحضر الرجل العراقي، فلما دخل أقبل عليه وقال له: «ما أبطأ بك عنا، أصلحك [الله] (64) ؟ » فقال: «استحياء منك لما سلف من قبح فعلي وسوء لفظي وعظيم إحسانك إليّ» .ثم دفع إليه الجواري، فخرج من دار محمد بخمس وعشرين جارية. [وهذا الفعل من محمد] [67] امتثال لقول الله عزّ وجلّ: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [68] ، ثم قال عزّ وجلّ:

(وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ‍ عَظِيمٍ) [69] . وله في مثل ذلك مقامات عجيبة، رحمه الله تعالى.

وكانت له سياسة حسنة، ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرفها [70] ، ولقد

(64) زيادة من الناشر السابق.

(65) في الأصل: الى حيث.

(66) في الأصل: ويوجهها.

(67) هذا تعليق للمؤلف على الخبر. ويبدو ان الناسخ اسقط‍ عبارة الافتتاح: فاجتهدنا في اتمامها.

(68) سورة فصّلت الآية 34.وقد خلط‍ المؤلف بينها وبين الآية 96 من سورة المؤمنون فجاءت هكذا: «ادفع بالتي هي أحسن السيئة فاذا الذي ... » .

(69) سورة فصّلت الآية 35.

(70) جاءت العبارة بنحو هذا عند تقديم الخبر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت