وكان [9] ، رحمه الله، على غاية من التواضع: يجلس محتبيا زائلا عن صدر مجلسه، فالجاهل به لا يعرف أنه صاحب المجلس.
وكان [10] يركب بالشند [11] حتى عوتب في ذلك، فاشترى سرجا دنيا كالقتب، فكان يركب بين السلال إذا ذهب إلى منزله.
قال محمد بن بسطام [12] : كنت ليلة في بيتي، وكانت ليلة شتوية [13] ، إذ ضرب عليّ الباب، فخرجت إليه فإذا به [محمد بن عبدوس] [14] وعليه جبة صوف وقلنسوة فرو، فقلت: «أصلحك الله، ما الذي أتى بك وأخرجك في هذا الوقت؟ » فقال: «يا محمد، ما بتّ هذه الليلة غما منّي بفقراء أمة محمد عليه السلام، وهذه مائة دينار ذهبا» -وأخرج بها يده من طوقه- «غلة ضيعتي في هذه السنة، أحبّ أن تفرقها على الفقراء والمستورين، ولا يذهب النهار غدا عنك وعندك منها شيء» .فأخذتها منه وانصرفت.
روى [15] بخط ابن حكمون [16] بيده، وكان من أصحاب ابن عبدوس، قال [17] :
ذكر محمد بن عبدوس رجلا في مجلسه، فتكلّم فيه بكلام سوء وأكثر من ذلك، فقال له إسحاق أخوه: «يكفيك من القول فيه ما قلت» فقال له محمد: «والله ما يكفيني، سمعت سحنون بن سعيد يقول: «إذا صح عندك فجور الرجل فلا تتورع أن تقول فيه حتى يحذره الناس، لا والله ما يكفيني» .
وذكر [18] الشيخ أبو الحسن القابسي، رحمه الله تعالى، عن ابن عبدوس أنه
(9) النصّ في طبقات الخشني ص 133 والمدارك 226: 4 واسنداه عن أحمد ابن نصر.
(10) النصّ في المدارك 226: 4.
(11) كذا في الأصل. وفي المدارك: على الشند. ونقدّم تعريفنا بالشند فليراجع.
(12) الخبر بهذا الاسناد في المدارك 226: 4.والمعالم 140: 2.
(13) في المدارك: ليلة شاتية.
(14) زيادة من المدارك والمعالم.
(15) في الأصل: ورأى.
(16) هو أبو محمد سعيد بن حكمون. من أصحاب ابن سحنون وابن عبدوس. توفي سنة 307. المعالم 358: 2 - 359.
(17) الخبر في المعالم 141: 2.
(18) الخبر في المدارك 227: 4 والمعالم 139: 2.