بجماعتهم، فسر بذلك سرورا عظيما ثم قال لي: «أبوك رأيته اليوم؟ » فقلت له: «لا والله، أنا من غدوة مشغول معك، ما رأيت أبي ولا غيره» ، قال: «وكذلك أنا ما رأيته من غدوة» .قال: فمضيت إلى أبي فوجدته قد تشمر وهو يعمل كنافة عجيبة [61] .
فأخبرته بما جرى لي مع الشيخ في الطاجن، فقال: «نعم ما عمل الشيخ» قال: «وأنا قد عملت له هذه الكنافة» قال: فأخذ في عملها وأفرغ عليها الزبد والعسل الكثير في مثرد كبير وغطاها وقال لي: «خذها على يدك» ، وأغلق بيته وجئنا إلى الشيخ أبي هارون، فقال: «ما هذا؟ » فقال له أبي: «كان عندي-أصلحك الله-شيء من سميد وعسل وزبد، فقالت لي نفسي: «اعمل كنافة للشيخ أبي هارون تأكلوها معه» ، قال: فكشفها فأعجبت الشيخ، وقال: «يا أبا بكر، آثرنا بالطاجن أولئك المساكين والنساء والأطفال، فعوضنا الله عزّ وجلّ ما هو خير منه» .
وقال أبو عقال [62] : خرجت أنا وأبو هارون يوما ومعنا عشرة [63] مثاقيل نفقة كنا استعددنا بها [64] للسفر، وكانت مصرورة معي، إلى أن عرض لنا سائل [وقال لنا] [65] :
«واسونا مما رزقكم الله، يرحمكم الله ويعظم أجوركم! » فقال لي: «يا ابن غلبون، اعطه تلك العشرة التي معك» ، قال: فوقفت عن إعطائها وشححت بها، وخفت أن ألتجئ إليها. ثم قال لي: «يا ابن غلبون، اعطه تلك العشرة التي معك [وتوكل] [65] على الله تبارك وتعالى» فأعطيته إياها. ومشينا قليلا وإذا بفارس خلفي مبيض بأشد ما يكون من الجري، فأعطاني صرة وقال: «خذ، يا أبا عقال [66] » ، ثم مضى الفارس حتى غاب في الطريق. ثم مشيت حتى لحقت أبا هارون، وهو يومئذ على المقدمة، فعطف عليّ قبل أن أكلمه وقال لي: «يا ابن غلبون، أعطيت عشرة فأخذت مائة، مثل هذا العزيز الكريم يتاجر معه؟ أما سمعته
(61) في الأصل بدون اعجام وفي التاج: (كنف) : الكنافة: القطائف.
(62) في الأصل: ابا عقال.
(63) في الأصل: عشر.
(64) في الأصل: استعددناها.
(65) زيادة من الناشر السابق.
(66) في الأصل: يا عقال.