التقدير: ارجع وراءك وائت مكانا أوسع لك، فحذفوا الفعلين والموصوف الذى هو المكان، وكذلك حسبك خيرا لك، معناه: اكتف ائت أمرا خيرا لك، وأمّا قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [1] ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن التقدير: يكن خيرا، وهذا قول الكسائى [2] ، ومن مذهب سيبويه أنّ «كان» لا يجوز إضمارها إلا مع «إن» فيما قدّمته من قولهم: «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ» .
والثانى: أن {خَيْرًا} صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو قول [3] الفرّاء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دلّ عليه {اِنْتَهَوْا} لأن انتهوا يدلّ على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء [4] .
والثالث: قول سيبويه [5] ، وهو أن التقدير: ائتوا خيرا لكم، وفى هذا التقدير فائدة عظيمة، لأنه نهاهم بقوله: {اِنْتَهَوْا} عن التثليث، وأمرهم بقوله: ائتوا خيرا لكم، بالدخول في التوحيد، فكأنه قال: انتهوا عن قولكم: آلهتنا ثلاثة، وأتوا خيرا
(1) سورة النساء 171.
(2) وهو قول أبى عبيدة أيضا. وتراه في مجاز القرآن 1/ 143، وانظر إعراب القرآن للنحاس 1/ 475، وتفسير الطبرى 9/ 413 - 415، ومشكل إعراب القرآن 1/ 214، والبحر 3/ 400.
(3) معانى القرآن 1/ 295، ولم يقله الفراء صراحة، وقد أول محقق المعانى-رحمه الله رحمة واسعة كلام الفراء، تأويلا ينتهى إلى ما ذكره الناقلون عنه. وانظر تعقّب الزجاج الفراء، في معانى القرآن وإعرابه 2/ 134. ويبقى شيء. وهو أن الفراء إنما ذكر هذا الإعراب في الآية السابقة، وهى قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ. ولهذا قال الزجاج: «قال الفراء: انتصب هذا وقوله خَيْرًا لَكُمْ لأنه متصل بالأمر. . .» فقوله «هذا» إشارة إلى ما في الآية (70) والذى بعده من الآية (171) التى أدار عليها الكلام ابن الشجرى.
(4) تعقّب الأخفش الصغير علىّ بن سليمان قول الفراء بمثل ما ذكره ابن الشجرى، قال: هذا خطأ فاحش؛ لأنه يكون المعنى: انتهوا الانتهاء الذى هو خير لكم». إعراب القرآن للنحاس 1/ 476، وتفسير القرطبى 6/ 25.
(5) راجع الكتاب 1/ 282.