ورغم ذلك حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - كل الحرص، وبذل كل الجهد حتى يخرج هؤلاء من عبادة الأوثان إلى عبادة رب الأنام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في الأسواق يقول:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله تُفْلِحُوا" [1] .
حتى إن الله تعالى لما رأى منه كل هذا الجهد والحزن الذي ملأ قلبه حتى كاد يقتله الحزن لخوفه عليهم من عذاب ربهم، رأف الله تعالى به فأنزل عليه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) } [الشعراء: 3] . وأنزل: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } [الكهف: 6] . أي: فلعك قاتل نفسك أسفًا وحزنًا لعدم إيمانهم بك وبرسالتك فلا تحزن كل هذا الحزن {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) } [الرعد: 40] .
ثم استمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته التي واجه فيها صناديد قريش وكبراءها فآذوه أشد إيذاء وتعداه هذا الإيذاء إلى أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، بأبي هو وأمي ونفسي وأهلي - صلى الله عليه وسلم -.
واعتقد كفار مكة أن إيذاءهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعذيبهم لأصحابه سينال من عزيمتهم ويوهن قوتهم فيرضخون لهم ويطيعونهم فيما أرادوا, ولكن هيهات، هيهات، فما نالت هذه الأفعال من عزيمة الأبطال شيئًا، بل زادتهم قوة وصلابة.
(1) حسن: أخرجه أحمد 3/ 492، والطبراني في"الكبير" (4582) ، وحسنه الألباني في"صحيح السيرة"142/ 143.