التغليظ بالمكان وهو مندوب ولفاعله الجامع؛ لأنه المعظم من أماكن البلد. وقوله على المنبر أي ندبًا أيضًا كما سيذكره الشارح؛ لأنه محل وعظ وزجر فناسب أن يكون على المنبر ليتعظ وينزجر أيضًا نعم الأولى في المسجد الحرام أن يكون بين الركن والمقام. ويسمى بالحطيم؛ لأن الذنوب تحطم فيه عن الطائفين، فإن قيل لأي شيء لم يكن في البيت مع أنه أشرف بقاع مكة أجيب بأنهم عدلوا عنه صيانة له عن ذلك ولذلك لم يكن في الحجر لأنه من البيت فصين عن ذلك وإن حلف فيه عمر رضي الله عنه، وفي بيت المقدس أن يكون عند الصخرة؛ لأنها أشرف بقاعه؛ ولأنها قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما في مسجد المدينة الشريفة فعلى المنبر كباقي المساجد كما في الأم والمختصر لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على منبري هذا يمينًا آثمًا تبوأ مقعده من النار» ويسن التغليظ بالزمان كالتغليظ بالمكان فيكون بعد صلاة العصر أي عصر أيّ يوم إن كان طلبه حثيثًا؛ لأن اليمين الفاجرة بعد العصر أغلب عقوبة لخبر الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقطع بها مال امريء مسلم ورجل منع فضل مائه فيقول الله تعالى اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» ؛ فإن لم يكن طلب حثيث فبعد صلاة عصر يوم الجمعة لما روي من أن ساعة الإجابة فيه وإن كان الأشهر أنها ساعة لطيفة فيما بين مجلس الإمام على المنبر وانقضاء الصلاة، كما رواه مسلم. ويعتبر التغليظ في الكافر بالمكان الذي يعظمه كالبيعة بكسر الباء والكنيسة وبيت نار مجوسي. ويجوز للحاكم دخول أماكنهم؛ لأنه لحاجة؛ ومثله غيره لكن بإذن مكلف منهم. ومحل ذلك إن خلت عن الصور وإلا حرم فلا يدخل بيت أصنام وثني، وبالزمان الذي يعظمه كالسبت في حق اليهود والأحد في حق النصارى، ومن لم يعظم شيئا من ذلك كالدهري بفتح الدال كما اقتصر عليه المحشي. وبعضهم قال بضم الدال وفتحها وهو من ينسب الفعل للدهر ومثله الزنديق وهو من لا يتدين بدين. وقيل الذي يخفي الكفر ويظهر الإسلام يلاعن في مجلس الحكم؛ لأنه لا ينزجر بمكان ولا زمان، ويحسن كما قال الشيخان أن يحلف من ذكر بالله الذي خلقه ورزقه؛ لأنه وإن غلا في كفره أي تجاوز الحد فيه يجد نفسه مذعنة لخالق مدبر فسبحان مدبر الكائنات. قوله: (في جماعة من الناس) أي بحضور جماعة من أعيان الناس وصلحائهم؛ لأن فيه ردعًا عن الكذب وهذا ممن يسنّ به التغليظ أيضًا.